تمهيد:
سبق وأن تقرر - بما تقدم من أدلة وبراهين - وجوب تعظيم النبي ﷺ وتعزيره وتوقيره.
وعلمنا كذلك ما كان من حال الصحابة رضوان الله عليهم تجاه هذا الواجب الذي فرضه الله على الأمة في حق نبيه ﷺ، وما كان منهم من تعظيم للنبي ﷺ في حياته، حينما كان بين ظهرانيهم يعايشمهم ويعايشونه.
والسؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذا المقام هو: كيف يتحقق لهذه الأمة تعظيم نبيها ﷺ بعد وفاته، وما هي الأمور التي يشرع فعلها والقيام بها لتحقيق ما أمر الله به في هذا الجانب من جوانب الإيمان والدين؟
وقبل أن أشرع في تفاصيل جواب هذا السؤال وإيضاح جوانبه أود أن أذكر بأن هذا التعظيم والتوقير الواجب للنبي ﷺ هو من أمور الدين المشروعة بأدلة القرآن والسنة، وبذلك فلا يحق لكائن من كان أن يعظم النبي ﷺ بأمر من عنده لم يشرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، أو ليس له أول فيهما.
فالقاعدة الشرعية المبنية على قول النبي ﷺ: "من أحدث في أمرنا
[ ١٩٣ ]
هذا ما ليس منه فهو رد" تقول إن أي أمر محدث في هذا الدين مما لم يشرعه النبي ﷺ هو أمر مردود على فاعله كائنا من كان، وهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. وهذه القاعدة الشرعية هي الميزان الذي يعرض عليه ما يقوم به الناس من أقوال وأفعال في هذا الجانب - أي جانب تعظيم الرسول ﷺ بل وفي كل جانب من جوانب الدين.
وإذا كانت العبادة هي الاسم الجامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فمما لا شك فيه أن تعظيم النبي ﷺ من الأمور التي يحبها الله، وقد ارتضاها لعباده حين أمرهم بذلك.
فإذا كان تعظيم النبي ﷺ من الأمور التعبدية التي تعبَّد الله بها عباده، فالعبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالعبادة مبنية على أصلين هما:
الأصل الأول: إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥].
الأصل الثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ، فلا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية] وقال تعالى ﴿أمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب أو مستحب، وليس لنا أن نعبده بالأمور المبتدعة (^١).
وهذان الأصلان هما حقيقة قولنا "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٨٠) بتصرف.
[ ١٩٤ ]
وعلى هذا فإن الرسول ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله،
وتحريمه، بالحلال مما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، فليس لأحد كائنا من كان أن يشرع في هذا الدين بعد رسول الله ﷺ.
وقد قدمت لكلامي بهذه العبارات نظرا لما أحدثه الناس في هذا الجانب من بدع تحت دعوى تعظيم قدر النبي ﷺ، مما ليس له أصل في الدين وما أنزل الله به من سلطان.
ومن العجيب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته ﷺ وتعظيمه ومتابعته، وهذا شأن اللعين لابد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.
ولقد كان حري بهؤلاء الذين ابتدعوا تلك البدع، وكذلك الذين أخذوا بها من بعدهم، أن يلتزموا بما ورد به أمر الشارع من أمور في جانب تعظيم قدر النبي ﷺ وتوقيره، ففيها الغنية والنجاة، وبالتمسك بها والسير عليها يحصل الأجر العظيم بإذن الله تعالى.
[ ١٩٥ ]