تمهيد
يؤمن المسلم أنه بفعله للطاعات وسائر العبادات يفعل ذلك كله ابتغاء مرضاة الله ورجاء ما عنده من الثواب العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة.
ذلك لأن كل عمل صالح مشروع له ثمرة، فالله سبحانه كريم يجود على أهل طاعته وعبادته، ويمن عليهم بفضله في فيضاعف لهم درجات أعمالهم. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [النور].
وقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [القصص: ٨٤].
والمحبة من أفضل أعمال العباد وأحبها إلى الله ﷿، فبها يذوق العبد حلاوة الإيمان كما في الحديث "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" (^١).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٤٧).
[ ١١٣ ]
وبها يستكمل الإيمان كما في الحديث: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" (^١).
وهي من أفضل الإيمان كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ أنه سئل رسول الله ﷺ عن أفضل الإيمان؟ قال: "أفضل الإيمان أن تحب لله وتبغض لله في الله وتعمل لسانك في ذكر الله … " (^٢).
فهذه الأحاديث تبين اكتساب المحبة لهذه الدرجة الرفيعة من الدين فمن أعظم الواجبات على المؤمن محبة الله ومحبة ما يحبه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة وما يحبه من الأشخاص كالأنبياء والملائكة وصالحي بني آدم وموالاتهم، وبغض ما يبغضه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. مع وجوب تقديم محبة الله تعالى على جميع المحاب وإيثار مرضاته على حظوظ النفس.
ولقد دلت النصوص على عظم ثواب المحبة ومدى نفع ثمرتها.
والحديث هنا عن ثمرة المحبة يتناول محبة الله ومحبة رسوله ﷺ وذلك لما بين الأمرين من التلازم.
فمحبة الله لا تتم إلا بمحبة ما يحبه الله وكراهة ما يكرهه.
ولا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا بإتباع ما أمر به واجتناب ما نهي عنه، فصار من لوازم محبته ﷾ محبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن الله محبته ومحبة رسوله ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكُمْ وأبْناؤُكُمْ وإخْوانُكُمْ وأزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة].
وورد مثل ذلك في كلام النبي ﷺ كما في حديث: "ثلاث من كن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٤٦٨١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥/ ٢٢٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٤٧).
[ ١١٤ ]
فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما … " الحديث (^١). ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن كلا من الحب، والإيمان والتصديق هي حقوق مشتركة بين الله ورسوله. فالله ﷾ كما أوجب الإيمان به على خلقه أوجب كذلك عليهم الإيمان برسوله ﷺ قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢].
قال تعالى: ﴿… أحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].
وكذا الحال بالنسبة للتصديق قال تعالى: ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وقد نظم ابن القيم رحمه الله تعالى هذا في نونيته حيث قال:
والحب والإيمان والتصديق … لا يختص بل حقان مشتركان (^٢)
وثمار محبة الله ورسوله منها ما هو دنيوي، ومنها ما هو أخروي. وسنعرض لكلا النوعين ليعلم المسلم عظم فضل الله على عباده المحبين له ولرسوله.
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٤٧).
(٢) شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٧) وتكميلا للفائدة: فإن الحق الذي يختص الله به على عباده دون سواه هو: عبادته بأمره لا بهوى النفس، وذلك كالحج والصلاة والذبح والنذر واليمين والتوبة والتوكل والإنابة والرجاء ونحوها من العبادات فهي حق لله لا يشاركه فيه غيره. وأما الحق الذي يختص بالرسول ﷺ فهو التعزير والتوقير كما في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. انظر: شرح النونية لابن عيسى (٢/ ٣٤٨).
[ ١١٥ ]