فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" (^٣).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. انظر: فتح الباري (٤/ ٣٤٢) (ح ٢١٢٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: بعثت بجوامع الكلم برقم (٧٢٧٤) واللفظ له، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس … برقم (١٥٢).
[ ١٣٢ ]
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة" (^١).
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد" (^٢).
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فطنت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى ﷺ وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب … " الحديث (^٣).
وفي هذا الأمر فضل عظيم وخصيصة كبيرة لنبينا محمد ﷺ فالله تعالى يكتب لكل نبي من الأنبياء من الأجر بقدر أعمال أمته وأحوالها وأقوالها فقد قال ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا" الحديث (^٤).
فما من معرفة ولا حالة ولا عبادة ولا مقالة ولا شيء مما يتقرب به إلى الله ﷿ مما دل عليه رسول الله ﷺ ودعا إليه إلا وله أجر من عمل به إلى يوم القيامة، ولا يبلغ أحد من الأنبياء إلى هذه المرتبة ذلك
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة" (١/ ١٣٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا" (/ ١٣٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره فتح الباري (١٠/ ١٥٥) (ح ٥٧٠٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (١/ ١٣٨).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة. انظر (٨/ ٦٢).
[ ١٣٣ ]
لأن النبي ﷺ قد نفع شطر أهل الجنة فقد ثبت في الحديث أن أمته شطر أهل الجنة قال ﷺ: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" الحديث (^١).
فإذا كان ﷺ قد نفع شطر أهل الجنة، وغيره من الأنبياء إنما نفع جزءا من أجزاء الشطر، كانت منزلته في القرب على قدر منزلته في النفع، فما من عارف من أمته إلا وله مثل أجر معرفته مضافا إلى معارفه ﷺ، وما من ذي حال من أمته إلا وله ﷺ مثل أجره على حاله مضموما إلى أحواله ﷺ، وما من ذى مقال يتقرب به إلى الله ﷿ إلا وله ﷺ مثل أجر ذلك القول مضموما إلى مقالته وتبليغ رسالته، وما من عمل من الأعمال المقربة إلى الله ﷿ من صلاة وزكاة وعتق وجهاد وبر ومعروف وذكر وصبر وعفو وصفح إلا وله ﷺ مثل أجر عامله مضموما إلى أجره على أعماله، وما من درجة علية، ومرتبة سنية، نالها أحد من أمته بإرشاده ودلالته إلا وله مثل أجرها مضموما إلى درجته ﷺ مرتبته، ويتضاعف ذلك بأن من دعا من أمته إلى هدى أو سن سنة حسنة كان له أجر من عمل بذلك على عدد العاملين، ثم يكون هذا المضاعف لنبينا ﷺ لأنه دل عليه، وأرشد إليه. ولأجل هذا بكى موسى ﵇ ليلة الإسراء بكاء غبطة غبط بها النبي ﷺ إذ يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمة موسى ﵇، ولم يبك حسدا كما يتوهمه بعض الجهال، وإنما بكا أسفا على ما فاته من مثل مرتبته (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الحشر. فتح الباري (١١/ ٣٧٨) (ح ٦٥٢٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة (١/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٢) بداية السول في تفضيل الرسول ﷺ (ص ٤٤، ٤٦).
[ ١٣٤ ]
ففي قصة المعراج من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا وفيه: " … ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة … فلما خلصت فإذا موسى، قال (جبريل) هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال أبكى لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي … " الحديث (^١).