وهذا من أفضل ما يتوسل به العبد إلى ربه فقد أثنى الله على المستغفرين من ذنوبهم التائبين إليه كما في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وكان ﷺ يكثر من الاستغفار وحث أمته عليه، وأرشدهم إلى ملازمته لما فيه من إظهار العبودية لله والافتقار إليه والذل والخشوع له ولا شك أن حاجة الأمة إلى الاستغفار والتوبة أشد من احتياجه ﷺ لذلك.
فقد قال ﷺ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة" (^١).
وعنه ﷺ أنه قال: "إنه ليغان على قلبي وإني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة" (^٢). والغين هو ما يتغشى القلب (^٣).
وأما الدعاء فإنه أقوى وسائل التقرب إلى الله وأفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه فالدعاء مخ العبادة.
قال تعالى: ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر].
_________________
(١) = (٥٩٧٤)، وأخرجه مسلم في كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال برقم (٢٧٤٣) واللفظ له.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه برقم (٢٧٠٢).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه برقم (٢٧٠٢).
(٤) شرح النووي (١٧/ ٢٣).
[ ٣١١ ]
وقال تعالى ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذادَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة].
والآيات القرآنية التي فيها الأمر بالتوجه إلى الله وحده بالدعاء كثيرة جدًّا.
ويدخل في هذا النوع التوسل إلى الله بدعائه باسم من أسمائه الحسنى أو بصفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطف الخبير أن تعافيني.
أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي.
ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبك لمحمد ﷺ .. فإن الحب من صفاته تعالى.
قال الله تعالى ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والمعني ادعوا الله متوسلين إليه بأسمائه الحسني، ولا شك أن صفاته العليا داخلة في هذا الطلب لأن أسمائه الحسني صفات له، خصت به ﵎ (^١).
ومن ذلك ما ذكره تعالى من دعاء سليمان ﵇ حيث قال ﴿وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ [النمل].
وأما النوع الثاني: من أنواع التوسل المشروع فهو: التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.
كأن يطلب العبد ممن يظن فيه الصلاح والتقوى والعلم بالكتاب والسنة أن يدعو له لما يريده من أمور الدنيا والآخرة.
_________________
(١) كتاب التوسل أنواعه وأحكامه (٢٩، ٣٠).
[ ٣١٢ ]
فهذا النوع من أنواع التوسل إجازته الشريعة المطهرة وأرشدت إليه.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا.
قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا".
قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع (^١) من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال والله ما رأينا الشمس سبتًا.
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر قال: فانقطعت، وخرجنا نمشى في الشمس" (^٢).
وعن أنس ﵁ "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون" (^٣).
_________________
(١) سلع -بالفتح ثم السكون آخره عين مهملة-: جبل معروف بالمدينة. وفاء الوفاء (ص ١٢٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع برقم (١٠١٣)، انظر: فتح الباري (٢/ ٥٠١).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام … برقم (١٠١٠).
[ ٣١٣ ]
وهكذا يتضح لنا جليا أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل السلف الصالح وأجمع عليه المسلمون هو: