قال تعالى: ﴿ولا يَأْمُرَكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].
وبجانب هذا التأكيد على بشرية الرسل والتحذر من رفعهم فوق مكانتهم التي أعطاهم الله إياها ووصفهم بما ليس لهم حق فيه.
أكد الإسلام وجوب الإيمان بهم وإكرامهم ورفع درجتهم وجعلهم في مكانة ومنزلة سامية. فأوجب الإيمان بهم.
[ ٢٧٢ ]
قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة].
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه.
ويصدِّقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين" (^١).
وفي مقابل ذلك فقد عدَّ تكذيب واحد منهم كفرًا ولو ادعى الإيمان بالله ورسله جميعا إلا ذلك، فإيمان من هذا حاله إيمان زائف لا وزن له ولا خير فيه وصاحبه موسوم بالكفر.
قال تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٤٢).
[ ٢٧٣ ]
إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا إنما هو عن غرض وهوى وعصبية" (^١).
وبهذه الوسطية تمسك السلف الصالح ومن سار على نهجهم فالأنبياء وعلى رأسهم نبينا صلوات الله عليهم أجمعين بشر مثلنا فضلهم الله واصطفاهم واختارهم وشرفهم بحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس، وأوجب علينا لهم من الحقوق ما سبق ذكره، وكذلك جعل لنا عليهم من الأمور والحقوق التي تطلب منهم، "فالأمور نوعان:
النوع الأول: نوع يطلب لنبينا منا ويجب له علينا.
والنوع الثاني: نوع يطلب لنا منه سواء أوجب عليه أو لم يجب.
فالواجب له علينا من الحقوق بعد الموت الإيمان به ومحبته ونصره وتعزيره وتوقيره وطاعة أمره واتباع سنته وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه.
هذا بالنسبه لما يتعلق بالنوع الأول.
أما ما يتعلق بالنوع الثاني: فتحقيق ذلك أن الله أمره بأشياء منها ما هو حق لله. ومنها ما هو حق للناس.
والأمر تارة يكون أمر إيجاب، وتارة أمر استحباب.
وكل ما أمر به مما فيه نفع للخلق ففيه حق لهم عليه كتبليغهم وتعليمهم والبيان لهم وأمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، وحضهم على كل ما يقربهم إلى الجنة ونهيهم عن كل ما يبعدهم عنها وتبيين كل ما يحتاجون إليه وأمثال ذلك.
وقد فعل ذلك وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لهم منه علمًا بأخباره وأوامره ونواهيه.
وكذلك كان يقوم بأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم،
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٢).
[ ٢٧٤ ]
وإنصاف مظلومهم من ظالمهم، وإطعام جائعهم، وعيادة مريضهم، والصلاة على ميتهم، وأمثال ذلك من أنواع إحسانه إليهم في جميع مصالح الدنيا والآخرة.
فاجتمعت له صفات الكمال المتفرقة في غيره من الرسل والأنبياء وولاة الأمر وغيرهم.
وكان له من خصائص النبوة والرسالة ما لم يشركه فيه أحد بعده، وكان يقوم بالإمامة في الصلاة والإمارة في الغزو وإرسال البعوث وعقد الألوية والشعائر في الحروب وإقامة الحدود وايصال الحقوق وقسم المواريث والمغانم والفيء والصدقات، وتعليمهم ما يؤمرون به مما في القلوب من المعارف والأحوال، أو ما يقوم بالأبدان من الأقوال والأعمال، وأفتاهم فيما ينوبهم من المسائل، والحكم بينهم فيما يتنازعون فيه من القضايا، وتعبير الرؤيا وما كان وما يكون من أمر الدنيا والآخرة، وصفات الرب، وملائكته، وأمر الآخرة والجنة والنار إلى غير ذلك. فهذه الأمور التي كان مأمورًا بها أمر إيجاب أو أمر استحباب وكانت حقا عليه للخلق انتهت بموته فلم يبق عليه منها شيء.
كما أدّى حق الله الذي أمره به، فلم يبق عليه منه شيء، فجاهد في الله ونصح الأمة، وعبد ربه حتى أتاه اليقين.
وأما ما كان حقا له على الأمة ومنفعته في الحقيقة تعود عليهم، والله تعالى يثيبه بما يعملون به من طاعته مثل ثوابهم، يستجيب فيه صالح دعواهم فهو في الحقيقة حق الله وإن كان فيه حق للرسول فإن الله هو الذي أمرهم به الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.
فكل ما أمرهم به الرسول من واجب ومستحب، فالله أمرهم به.
وإذا أطاعوا الله ورسوله فأجرهم على الله.
وإذا عصوا الله ورسوله فحسابهم على الله.
[ ٢٧٥ ]
قال تعالى ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد].
وقال تعالى ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إلَّا مَنْ تَوَلّى وكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَر إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية]، وقال تعالى ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ثم قال ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن] فأمر بطاعته وطاعة رسوله لأن طاعته طاعة لله.
وأمرهم بالتوكل عليه وحده، وطاعة الرسول هي عبادة لله وحده والأمر والمعنى المتقدم من أن الرسول ليس عليه إلا ما أمر به من البلاغ والبيان والجهاد وليس عليه جزاء العباد ولا حسابهم ولا هدايتهم قد كرر في القرآن في مواضع. والحق الذي لله وللرسول باق بعد موت الرسول، وكذلك ما كان من حقوقه التي يمكن بقاؤها كالصلاة عليه والتسليم والتعزر والتوقير والمحبة وغيرها فهي لم تنقص بعد موته بل توكدت وقويت، بل حقوقه عليها بعد موته أكمل منها في حياته.
فمن ذلك أن من تنقَّصه في حياته أو سبَّه فإنه كان له ﷺ يعفو عن حقه.
فأما بعد موته فليس لأحد أن يعفو عن حقه ولا يسقط وكذلك في مغيبه. فعلينا أن نقوم بحقوقه الواجبة علينا في حال مماته ومغيبه أكثر مما علينا أن نقوم بها في محياه وحضوره.
وتلك الحقوق علينا له، وإذا فعلناها كانت عبادة منا لله، أجرنا فيها على الله وهي مما يزيده الله بها من فضله من جهة امتثالنا لما أمرنا به، وهو داعينا، وكلما أطعنا كان له مثل أجورنا، ومن جهة ما يصل إليه من الرحمة باستجابة الله دعاء الأمة، مع ما يزيده الله إياه من فضله. وهذه الحقوق الثابتة بعد موته هي تبع لرسالته فإنه هو السفير والواسطة
[ ٢٧٦ ]
بيننا ولون الله تعالى في تعليمنا وانتفاعنا بما علمنا من علم الله وخبره، وفي أمرنا وإرشادنا إلى ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبذلك حصل لمن آمن به واتبعه سعادة الدنيا والآخرة.
بل أعظم نعمة أنعم الله بها على المؤمنين أن أرسله إليهم وأنزل عليه الكتاب، ومنَّ عليهم باتباعه. فليس في الدنيا خير أعظم من هذا (^١).
وبعد فهذا أنموذج من فهم السلفي لنوع العلاقة التي تربط الأمة بنبيها وهو فهم أوجبته النصوص الشرعية وأكدته وأوا فمحته ورسمته، فليس لنا أن نحيد عنه أو نبدل فيه.
وهو فهم أعطى لكل ذى حق حقه كما أوجب ربنا وشرع في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فحق الله هو توحيده، تجريد العبادة له ﵎.
وحق الرسول الإيمان به وطاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك مما سبق ذكره.
وعن هذا التوازن في وضع الأمور في نصابها الذي أوجبه الله تعالى علينا يقول ابن القيم: "والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب أن تجريد التوحيد أن لا يعطى الخلوق شيئا من حق الخالق وخصائصه، فلا يعبد، ولا يصلى له، ولا يسجد ولا يحلف باسمه، ولا ينذر له، ولا يتوكل عليه، ولا يؤله ولا يقسم به على الله، ولا يعبد ليقرب إلى الله زلفى، ولا يساوى برب العالمين في قول قائل: ما شاء الله وشئت، وهذا منك ومن الله، وأنا بالله وبك، وأنا متوكل على الله وعليك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، وهذا من صدقاتك وصدقات الله، وأنا تائب إلى الله وإليك، وأنا في حسب الله
_________________
(١) الرد على البكري (ص ١٠٨ - ١١٢) بتصرف يسير.
[ ٢٧٧ ]
وحسبك، فيسجد للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم يحلق رأسه له، ويحلف باسمه، وينذر له، ويسجد لقبره بعد موته، ويستغيث به في حوائجه ومهماته، ويرضيه بسخط الله، ولا يسخطه في رضا الله، ويتقرب إليه أعظم مما يتقرب إلى الله ويحبه ويخافه ويرجوه أكثر مما يحب الله ويخافه ويرجوه أو يساويه.
فإذا هضم الخلوق خصائص الربوبية، وأنزله منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقصًا له ولا حطًا من مرتبته ولو رغم المشركون.
وقد صح عن سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله" (^١).
وقال ﷺ: "لا تتخذوا قبرى عيدا" (^٢).
وقال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" (^٣).
وقال ﷺ: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" (^٤).
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٧٦٢٦)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي برقم (٣٠)، وصححه الألباني في تحذير الساجد (ص ١٤١).
(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ برقم (٤١٤) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٥٨٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨). وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفس (١٥/ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفس (٥/ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن لا يقال خبثت نفس (٥/ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشاء فلان (ص ٥٤٤) ح ٩٨٥. وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. رياض الصالحين (ص ٦١١).
[ ٢٧٨ ]
وعن عدى بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ: "بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله" (^١).
وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندا؟ " (^٢).
وقال له رجل قد أذنب: الله إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال: "عرف الحق لأهله" (^٣).
وقد قال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
وقال: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩].
وقال: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَدًا واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن] أي لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه. وقال لابنته فاطمة وعمه العباس وعمته صفية (^٤): "لا أملك لكم من الله شيئا" (^٥) وفي لفظ:
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (٣/ ١٢ - ١٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٥٤٥ (ح ٩٨٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤٣٥).
(٤) صفية بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية عمة رسول الله ﷺ، والدة الزبير بن العوام، وهي شقيقة حمزة، أسلمت وهاجرت مع ولدها الزبير وروت وعاشت إلى خلافة عمر. الإصابة (٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب من انتسب لآبائه في الإسلام والجاهلية. برقم (٣٥٢٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ برقم (٢٠٤).
[ ٢٧٩ ]
"لا أغني عنكم من الله شيئا" (^١).
فعظم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم، وأبوا ذلك كله، وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا كله، وزعموا أن من سلبهم ذلك فقد هضمهم مراتبهم وتنقصهم، وقد هضموا جانب الإلهية غاية الهضم وتنقصوه فلهم نصيب وافر من قوله تعالى ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر] (^٢).
وقال أيضا ﵀ في قصيدته النونية المسمَّاة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:
يا من له عقل ونور قد غدا … يمشي به في الناس كل زمان
لكننا قلنا مقالة صارخٍ … في كل وقت بينكم بأذان
الرب رب والرسول فعبده … حقا وليس لنا إله ثان
فلذاك لم نعبده مثل عبادة الرحـ … ـمن فعل المشرك النصراني
كلا ولم نغلُ الغلو كما نهى … عنه الرسول مخافة الكفران
لله حق لا يكون لغيره … ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا … من غير تمييز ولا فرقان
فالحج للرحمن دون رسوله … وكذا الصلاة وذبح ذي القربان
وكذا السجود ونذرنا ويمينُنا … وكذا متَابُ العبد من عصيانِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب. برقم (٢٧٥٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (٢٠٤).
(٢) الروح لابن القيم (٢/ ٧٦٦، ٧٦٧).
[ ٢٨٠ ]
وكذا التوكل والإنابة والتقى … وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستعانتنا به … إياك نعبد ذاك توحيدان
وعليهما قام الوجود بأسره … دنيا وأخرى حبذا الركنان
وكذلك التسبيح والتكبير والتهليل … حق آلهنا الديان
لكنما التعزير والتوقير … حق للرسول بمقتضى القرآن
والحب والإيمان والتصديق لا … يختص بل حقان مشتركان
هذى تفاصيل الحقوق ثلاثة … لا تجهلوها يا أولى العدوان
حق الإله عبادة بالأمر لا … بهوى النفوس فذاك للشيطان
من غير إشراك به شيئا هما … سببا النجاة فحبذا السببان
ورسوله فهو المطاع وقوله المقبول … إذ هو صاحب البرهان
والأمر منه الحتم لا تخيير فيه … عند ذي عقل وذي إيمان
من قال قولا غيره قمنا على … أقواله بالسَّبْرِ والميزان
إن وافَقَتْ قول الرسول وحُكمه … فعلى الرؤوس تشال كالتيجان
أو خالفت هذا رددناها على … من قالها من كان من إنسان
أو أشكلت عنا توقفنا ولم … نجزم بلا علم ولا برهان
هذا الذي أدى إليه علمنا … وبه ندين الله كل أوان
فهو المطاع وأمره العالى على … أمر الورى وأمر ذى السلطان
وهم المقدم في محبتنا على … الأهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على … النفس التي قد ضمها الجنبان
ونظير هذا قول أعداء المسيح … من النصارى عابدى الصلبان
إنا تنقَّصنا المسيح بقولنا … عبدٌ وذلك غاية النقصان
لو قلتم ولد إله خالق … وفَّيتموه حقه بوزان
[ ٢٨١ ]
وكذاك أشباه النصارى مُذْ غَلَوْا … في دينهم بالجهل والطغيان
صاروا معادين الرسول ودينه … في صورة الأحباب والإخوان
فانظر إلى تبديلهم توحيده … بالشرك والإيمان بالكفران
وانظر إلى تجريده التوحيد من … أسباب كل الشرك بالرحمن
واجمع مقالتهم وما قد قاله … واستدع بالنَّقَّاد والوزَّان
عقلٍ وفطرتك السليمة ثم زن … هذا وذا لا تطغ في الميزان
فهناك تعلم أي حزبينا هو … المتنقص المنقوص ذو العدوان
رامي البريء بدائه ومصابه … فعل المباهت أوقح الحيوان
كمعير للناس بالزغل الذي … هو ضربه فاعجب لذا البهتان
يا فرقة التنقيص بل يا أمة الدعوى … بلا علم ولا عرفان
والله ما قدمتم يوما مقالته … على التقليد للإنسان
والله ما قال الشيخ وقال … إلا كنتم معهم بلا كتمان
والله أغلاط الشيوخ لديكم … عين الصواب ومقتضى البرهان
ولذا قضيتم بالذي حكمت به … جهلا على الأخبار والقرآن
والله إنهم لديكم مثل معصوم … وهذا غاية الطغيان
تبا لكم ماذا التنقص بعد ذا … لو تعرفون العدل من نقصان
والله ما يرضيه جعلكم له … تُرْسًا لشرككم وللعدوان
وكذاك جعلكم المشايخ جنة … لخلافه يشهده أولو الايمان
والله ما عظمتموه طاعة … ومحبة يا فرقة العصيان
أنَّى وجهلكم به وبدينه … وخلافكم للوحي معلومان
أوصاكم أشياخكم بخلافهم … لوفاقه في سالف الأزمان
خالفتم قول الشيوخ وقوله … فغدا لكم خلفان متفقان
[ ٢٨٢ ]
والله أمركم عجيب مُعْجِبٌ … ضدان فيكم ليس يتفقان
تقديم آراء الرجال عليه مع … هذا الغلو فكيف يجتمعان؟
كفرتم من جرد التوحيد جهلا … منكم بحقائق الإيمان
لكن تجردتم لنصر الشرك والبدع … المضلة في رضى الشيطان
والله لم نقصد سوى التجريد للتوحـ … ـيد ذاك وصية الرحمن
ورضى رسول الله منا لا غلـ … ـو الشرك أصل عبادة الأوثان
والله لو يرضى الرسول دعاءنا … إياه بادرنا إلى الإذعان
والله لو يرضى الرسول سجودنا … كنا نَخِرُّ له على الأذقان
والله ما يرضيه منا غير إخـ … ـلاص وتحكيم لذا القرآن
ولقد نهي ذا الخلق عن إطرائه … فعل النصارى عابدي الصلبان
ولقد نهانا أن نصيِّر قبره … عيدا حذار الشرك بالرحمن
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي … قد ضمه وثنا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه … وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه … في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحا … باللعن يصرخ فيهم بأذان
وعنى الأُلى جعلوا القبور مساجدا … وهم اليهود وعابدوا للصلبان
والله لولا ذاك أبرز قبره … لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمتنـ … ـع السجود له على الأذقان
قصدوا موافقة الرسول وقصده … التجريد للتوحيد للرحمن (^١).
_________________
(١) انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم (٢/ ٣٤٦ - ٣٥٤).
[ ٢٨٣ ]