فظهر أن الشبر، والذراع، والطريق، ودخول الجحر تمثيل للاقتداء بهم في كل شيء مما نهى الشرع عنه وذمّه (١)، وقد حذّر النبي - ﷺ - عن التشبّه بغير أهل الإسلام، فقال: «بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلُّ والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم» (٢).
تاسعًا: الاعتماد على الأحاديث الضعيفة والموضوعة، من الأسباب التي تؤدّي إلى البدع وانتشارها؛ فإن كثيرًا من أهل البدع اعتمدوا على الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوبة على رسول الله - ﷺ -، والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها، وردّوا الأحاديث الصحيحة التي تخالف ما هم عليه من البدع، فوقعوا بذلك في المهالك والعطب، والخسارة، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٣).
عاشرًا: الغلو أعظم أسباب انتشار البدع، وظهورها، وهو سبب شرك البشر؛ لأن الناس بعد آدم ﵊ كانوا على التوحيد عشرة قرون، وبعد ذلك تعلَّق الناس بالصالحين، وغلَوا فيهم حتى عبدوهم من دون الله - ﷿ -؛ فأرسل الله تعالى نوحًا - ﷺ - يدعو إلى التوحيد،
_________________
(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١٣/ ٣٠١.
(٢) أحمد في المسند، ٢/ ٥٠، ٩٢، وصحح إسناده أحمد محمد شاكر في شرحه للمسند، برقم ٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧، من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٣٦١ - ٣٦٣، والاعتصام للشاطبي، ١/ ٢٨٧ - ٢٩٤، وتنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار، للدكتور صالح السحيمي، ص٨٤٨، ورسائل ودراسات في الأهواء والافتراق والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ٢/ ١٨٠.
[ ٣٨ ]
ثم تتابع الرسل عليهم الصلاة والسلام (١)، والغلوّ يكون: في الأشخاص، كتقديس الأئمة، والأولياء، ورفعهم فوق منازلهم، ويصل ذلك في النهاية إلى عبادتهم، ويكون الغلوّ في الدين، وذلك بالزيادة على ما شرعه الله، أو التشدّد والتكفير بغير حق، والغلوّ في الحقيقة: هو مجاوزة الحد في الاعتقادات، والأعمال، وذلك بأن يزاد في حمد الشيء، أو يُزاد في ذمّه على ما يستحق (٢)، وقد حذَّر الله عن الغلوّ فقال - ﷿ - لأهل الكتاب: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ (٣)، وحذّر النبي - ﷺ - من الغلوّ في الدين، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إياكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين» (٤)، فظهر أن الغلوّ في الدين من أعظم أسباب الشرك، والبدع، والأهواء (٥)؛ ولخطر الغلوّ في الدين حذّر النبي - ﷺ - عن الإطراء فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (٦).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، ١/ ١٠٦.
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ١/ ٢٨٩.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(٤) النسائي، كتاب المناسك، باب التقاط الحصى، ٥/ ٢٦٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، ٢/ ١٠٠٨، وأحمد ١/ ٣٤٧، وصحح إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ١/ ٢٨٩.
(٥) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، ١/ ٢٨٩، والاعتصام للشاطبي، ١/ ٣٢٩ - ٣٣١، ورسائل ودراسات في الأهواء والبدع وموقف السلف منها، للدكتور ناصر العقل، ١/ ١٧١، ١٨٣، والغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، للدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ص٧٧ - ٨١، والحكمة في الدعوة إلى الله - ﷿ -، لسعيد بن علي [المؤلف]، ص٣٧٩.
(٦) البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾،٤/ ١٧١،برقم ٣٤٤٥.
[ ٣٩ ]