فالأولان حقيقة التركيب لا تعدوها في اللفظ والأذهان
وكذلك الأعيان أيضا إنما التركـ ـيب فيها ذلك النوعان
والأوسطان هما اللذان تنازعا العقـ ـلاء في تركيب ذي الجثمان
ولهم أقاويل ثلاث قد حكينـ ـاها وبينا أتم بيان
والآخران هما اللذان عليهما درات رحى الحرب التي تريان
أنتم جعلتم وصفه سبحانه بعلوه من فوق ذي الأكوان
وصفاته العليا التي ثبتت له بالعقل والمنقول ذي البرهان
من جملة التركيب ثم نفيتم مضمونها من غير ما برهان
فجعلتم المرقاة للتعطيل هـ ـذا الاصطلاح وذا من العدوان
ولكن إذا قيل اصطلاح حادث لا حجر في هذا على إنسان
فتقول نفيكم بهذا الاصطلا ح صفاته هو أبطل البطلان
وكذاك نفيكم به لعلوه فوق السماء وفوق كل مكان
وكذاك نفيكم به لكلامه بالوحي كالتوراة والقرآن
وكذاك نفيكم لرؤيتنا له يوم المعاد كما يرى القمران
وكذاك نفيكم لسائر ما أتى في النقل من وصف بغير معان
[ ١٩٠ ]
كالوجه واليد والأصابع والذي أبدا يسوؤكم بلا كتمان
وبودكم لو لم يقله ربنا ورسوله المبعوث بالبرهان
وبودكم والله لما قالها أن ليس يدخل مسمع الإنسان
قام الدليل على استنادكم الكـ ـون أجمعه إلى خلاقه الرحمن
ما قام قط على انتفاء صفاته وعلوه من فوق ذي الأكوان
هو واحد في وصفه وعلوه ما للورى رب سواه ثان
فلأي معنى تجحدون علوه وصفاته بالفشر والهذيان
هذا وما المحذور إلا أن يقال مع الإله لنا إله ثان
أو أن يعطل عن صفات كماله هذان محذوران محظوران
أما إذا ما قيل رب واحد أوصافه أربت على الحسبان
وهو القديم فلم يزل بصفاته متوحدا بل دائم الإحسان
فبأي برهان نفيتم ذا وقلـ ـتم ليس هذا قط في الإمكان
فلئن زعمتم أنه نقص فذا بهت فما في ذاك من نقصان
النقص في أمرين سلب كماله أو شركة بالواحد الرحمن
أتكون أوصاف الكمال نقيصة في أي عقل ذاك أم قرآن
إن الكمال بكثرة الأوصاف لا في سلبها ذا واضح البرهان
ما النقص غير السلب حسب وكل نقص أصله سلب وهذا واضح التبيان
فالجهل سلب العلم وهو نقيصة والظلم سلب العدل والإحسان
[ ١٩١ ]
منتقص الرحمن سالب وصفه حقا تعالى الله عن نقصان
وكذا الثناء عليه ذكر صفاته والحمد والتمجيد كل أوان
ولذاك أعلم خلقه أدراهم بصفاته من جاء بالقرآن
وله صفات ليس يحصيها سوا هـ من ملائكة ولا إنسان
ولذاك يثني في القيامة ساجدا لما يراه المصطفى بعيان
بثناء حمد لم يكن في هذه الدنيـ ـا ليحيصيه مدى الأزمان
[ ١٩٢ ]
وثناؤه بصفاته لا بالسلو ب كما يقول العادم العرفان
والعقل دل على انتهاء الكون أجمعه إلى رب عظيم الشان
وثبوت أوصاف الكمال لذاته لا يقتضي إبطال ذا البرهان
والكون يشهد أن خالقه تعا لى ذو الكمال ودائم السلطان
[ ١٩٣ ]
وكذاك يشهد أنه سبحانه فوق الوجود وفوق كل مكان
وكذلك يشهد أنه سبحانه المـ ـعبود لا شيء من الأكوان
وكذاك يشهد أنه سبحانه ذو حكمة في غاية الإتقان
وكذاك يشهد أنه ذو قدرة حي عليم دائم الإحسان
وكذاك يشهد أنه الفعال حـ ـقا كل يوم ربنا في شان
وكذاك يشهد أنه المختار في أفعاله حقا بلا نكران
وكذاك يشهد أنه الحي الذي ما للمات عليه من سلطان
وكذاك يشهد أنه القيوم قا م بنفسه ومقيم ذي الأكوان
وكذاك يشهد أنه ذو رحمة وإرادة ومحبة وحنان
وكذاك يشهد أنه سبحانه متكلم بالوحي والقرآن
وكذاك يشهد أنه سبحانه الـ ـخلاق باعث هذه الأبدان
لا تجعلوه شاهدا بالزور والتـ ـعطيل تلك شهادة البطلان
وإذا تأملت الوجود رأيته إن لم تكن من زمرة العميان
بشهادة الإثبات حقا قائما لله لا بشهادة النكران
وكذاك رسل الله شاهدة به أيضا فسل عنهم عليم زمان
وكذاك كتب الله شاهدة به أيضا فهذا محكم القرآن
وكذلك الفطر التي ما غيرت عن أصل خلقتها بأمر ثان
وكذا العقول المستنيرات التي فيها مصابيح الهدى الرباني
[ ١٩٤ ]
أترون أنا تاركو ذا كله لشهادة الجهمي واليوناني
هذي الشهود فإن طلبتم شاهدا من غيرها سيقوم بعد زمان
إذ ينجلي هذا الغبار فيظهر الـ ـحق المبين مشاهدا بعيان
فإذا نفيتم وقلتم إنه ملزوم تركيب فمن يلحاني
إن قلت لا عقل ولا سمع لكم وصرخت فيما بينكم بأذان
هل يجعل الملزوم عين اللزم الـ ـمنفي هذا بيّن البطلان
فالشيء ليس لنفسه ينفى لدى عقل سليم يا ذوي العرفان
قلتم نفينا وصفه وعلوه من خشية التركيب والإمكان
لو كان موصوفا لكان مركبا فالوصف والتركيب متحدان
أو كان فوق العرش كان مركبا فالفوق والتركيب متفقان
فنفيتم التركيب بالتركيب مع تغيير إحدى اللفظتين بثان
بل صورة البرهان أصبح شكلها شكلا عقيما ليس ذا برهان
لو كان موصوفا لكان كذاك مو صوفا وهذا حاصل البرهان
فإذا جعلتم لفظة التركيب بالـ ـمعنى الصحيح أمارة البطلان
جئنا إلى المعنى فخلصناه منـ ـها واطّرحناها اطراح مهان
هي لفظة مقبوحة بدعية مذمومة منا بكل لسان
واللفظ بالتوحيد نجعله مكا ن اللفظ بالتكريب في التبيان
واللفظ بالتوحيد أولى بالصفا ت وبالعلو لمن له أذنان
هذا هو التوحيد عند الرسل لا أصحاب جهم شيعة الكفران
[ ١٩٥ ]