فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل قلنا صدقتم وهو ذو إمكان
كتسلسل التأثير في مستقبل هل بين ذلك قط من فرقان
والله ما افترقا لذي عقل ولا نقل ولا نظر ولا برهان
في سلب إمكان ولا في ضده هذي العقول ونحن ذو أذهان
فليأت بالفرقان من هو فارق فرقا يبين لصالح الأذهان
وكذاك سوى الجهم بينهما كـ ذا العلاف في الإنكار والبطلان
ولأجل ذا حكما بحكم باطل قطعا على الجنات والنيران
فالجهم أفنى الذات والعلاف للحركات أفنى قاله الثوران
وأبو علي وابنه والأشعري وبعده ابن الطيب الرباني
وجميع أرباب الكلام الباطل ال مذموم عند أئمة الإيمان
فرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل حق وفي أزل بلا إمكان
قالوا لأجل تناقض الأزلي وال أحداث ما هذان يجتمعان
لكن دوام الفعل في مستقبل ما فيه محذور من النكران
فانظر إلى التلبيس في ذا الفرق تر ويجا على العوران والعميان
[ ٦٣ ]
ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو أزل لذي ذهن ولا أعيان
بل كل فرد فهو مسبوق بفرد قلبه أبدا بلا حسبان
ونظير هذا كل فرد فهو ملحـ ـوق بفرد بعده حكمان
النوع والآحاد مسبوق وملحـ ـوق وكل فهو منها فان
والنوع لا يفنى أخيرا فهو لا يفنى كذلك أولا ببيان
وتعاقب الآنات أمر ثابت في الذهن وهو كذاك في الأعيان
فإذا أبيتم ذا وقلتم أول الـ ـآنات مفتتح بلا نكران
ما كان ذاك الآن مسبوقا يرى إلا بسلب وجوده الحقاني
فيقال ما تعنون بالآنات هل تعنون مدة هذه الأزمان
من حين إحداث السموات العلى والأرض والأفلاك والقمران
ونظنكم تعنون ذاك ولم يكن من قبلها شيء من الأكوان
هل جاءكم في ذاك من أثر ومن نص ومن نظر ومن برهان
هذا الكتاب وهذه الآثار والمعـ ـقول في الفطرات والأذهان
إنا نحاكمكم إلى ما شئتمو منها فكل الحق في تبيان
أوليس خلق الكون في الأيام كا ن وذاك مأخوذ من القرآن
أوليس ذلكم الزمان بمدة لحدوث شيء وهو عين زمان
فحقيقة الأزمان نسبة حادث لسواه تلك حقيقة الأزمان
واذكر حديث السبق للتقدير والتو قيت قبل جميع ذي الأعيان
[ ٦٤ ]
خمسين ألفا من سنين عدها المخـ ـتار سابقة لذي الأكوان
هذا وعرش الرب فوق الماء من قبل السنين بمدة وزمان
والناس مختلفون في القلم الذي كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده قولان عند أبي العلا الهمداني
والحق أن العرش قبل لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان
وكتابة القلم الشريف تعقبت إيجاده من غير فصل زمان
لما براه الله قال اكتب كذا فغدا بأمر الله ذا جريان
فجرى بما هو كائن أبدا إلى يوم المعاد بقدرة الرحمن
أفكان رب العرش ﷻ من قبل ذا عجز وذا نقصان
أم لم يزل ذا قدرة والفعل مقـ ـدور له أبدا وذو إمكان
فلئن سئلت وقلت ما هذا الذي أداهم لخلاف ذا التبيان
ولأي شيء لم يقولوا إنه سبحانه هو دائم الإحسان
فاعلم بأن القوم لما أسسوا أصل الكلام عموا عن القرآن
وعن الحديث ومقتضى المعقول بل عن فطرة الرحمن والبرهان
وبنوا قواعدهم عليه فقادهم قسرا إلى التعطيل والبطلان
نفي القيام لكل أمر حادث بالرب خوف تسلسل الأعيان
فيسد ذاك عليهم في زعمهم إثبات صانع هذه الأكوان
إذ أثبتوه بكون ذي الأجساد حا دثة فلا تنفك عن حدثان
[ ٦٥ ]
فإذا تسلسلت الحوادث لم يكن لحدوثها إذ ذاك من برهان
فلأجل ذا قالوا التسلسل باطلا والجسم لا يخلو عن الحدثان
فيصح حينئذ حدوث الجسم من هذا الدليل بواضح البرهان
هذي نهايات لإقدام الورى في ذا المقام الضيق الأعطان
فمن ذا الذي يأتي بفتح بين ينجي الورى من غمرة الحيران
فالله يجزيه الذي هو أهله من جنة المأوى مع الرضوان
فصل
فاسمع إذا وافهم فذاك معطل ومشبه وهداك ذو الغفران
هذا الدليل هو الذي أرداهم بل هد كل قواعد القرآن
وهو الدليل الباطل المردود عند أئمة التحقيق والعرفان
ما زال أمر الناس معتدلا إلى أن دار في الأوراق والأذهان
وتمكنت أجزاؤه بقلوبهم فأتت لوازمه إلى الإيمان
رفعت قواعده وتحت أساسه فهوى البناء وخر للأركان
وجنوا على الإسلام كل جناية إذ سلطوا الأعداء بالعدوان
حملوا بأسلحة المحال فخانهم ذاك السلاح فما اشتفوا بطعان
وأتى العدو إلى سلاحهم فقا تلهم به في غيبة الفرسان
يا محنة الإسلام والقرآن من جهل الصديق وبغي ذي طغيان
[ ٦٦ ]
والله لولا الله ناصر دينه وكتابه بالحق والبرهان
لتخطفت أعداؤنا أرواحنا ولقطعت منا عرى الإيمان
أيكون حقا ذا الدليل وما اهتدى خير القرون له محال ذان
وفقتمو للحق إذ حرموه في أصل اليقين ومقعد العرفان
وهديتمونا للذي لم يهتدوا أبدا به وا شدة الحرمان
ودخلتم للحق من باب وما دخلوه واعجبا لذا الخذلان
وسلكتم طرق الهدى والعلم دو ن القوم عجبا لذا البهتان
وعرفتم الرحمن بالأجسام والأعراض والحركات والألوان
وهم فما عرفوه منها بل من الآيات وهي فغير ذي برهان
الله أكبر أنتم أو هم على حق وفي غي وفي خسران
دع ذا أليس انه قد أبدى لنا حق الأدلة وهي في القرآن
متنوعات صرفت وتظاهرت في كل وجه فهي ذو أفنان
معلومة للعقل أو مشهودة للحس أو في فطرة الرحمن
أسمعتم لدليلكم في بعضها خبرا أو احسستم له ببيان
أيكون أصل الدين ما تم الهدى إلا به وبه قوى الإيمان
وسواه ليس بموجب من لم يحط علما به لم ينج من كفران
والله ثم رسوله قد بينا طرق الهدى في غاية التبيان
فلأي شيء أعرضا عنه ولم نسمعه في أثر ولا قرآن
[ ٦٧ ]
لكن أتانا بعد خير قروننا بظهور أحداث من الشيطان
وعلى لسان الجهم جاؤا حزبه من كل صاحب بدعة حيران
ولذلك اشتد النكير عليهم من سائر العلماء في البلدان
صاحوا بهم من كل قطر بل رموا في إثرهم بثواقب الشهبان
عرفوا الذي يفضي إليه قولهم ودليلهم بحقيقة العرفان
وأخو الجهالة في خفارة جهله والجهل قد ينجي من الكفران
[ ٦٨ ]