يا طالب الحق المبين ومؤثرا علم اليقين وصحة الإيمان
اسمع مقالة ناصح خبر الذي عند الورى مذ شب حتى الآن
ما زال مذ عقدت يداه إزاره قد شد ميرزه إلى الرحمن
وتخلل الفترات للعزمات أمـ ـر لازم لطبيعة الإنسان
وتولد النقصان من فتراته أو ليس سائرنا بني النقصان
طاف المذاهب يبتغي نورا ليهديه وينجيه من النيران
وكأنه قد طاف يبتغي ظلمة الـ ـليل البهيم ومذهب الحيران
والليل لا يزداد إلا قوة والصبح مقهور بذي السلطان
حتى بدت في سيره نار على طور المدينة مطلع الإيمان
فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع تلك القيود منالها بأمان
لولا تداركه الإله بلطفه ولى على العقبين ذا نكصان
لكن توقف خاضعا متذللا مستشعر الإفلاس من أثمان
فأتاه جند حل عنه قيوده فامتد حينئذ له الباعان
والله لولا أن تحل قيوده وتزول عنه ربقة الشيطان
[ ٢٦٤ ]
كان الرقي إلى الثريا مصعدا من دون تلك النار في الإمكان
فرأى بتلك النار آكام المديـ ـنة كالخيام تشوفها العينان
ورأى هنالك كل هاد مهتد يدعو إلى الإيمان والإيقان
فهناك هنأ نفسه متذكرا ما قاله المشتاق منذ زمان
والمستهام على المحبة لم يزل حاشا لذكراكم من النسيان
لو قيل ما تهوى؟ لقال مبادرا أهوى زيارتكم على الأجفان
تالله إن سمح الزمان بقربكم وحللت منكم بالمحل الداني
لأعفرن الخد شكرا في الثرى ولأكحلن بتربكم أجفاني
إن رمت تبصر ما ذكرت فغض طر فا عن سوى الآثار والقرآن
واترك رسوم الخلق لا تعبأ بها في السعد ما يغنيك عن دبران
حذق لقلبك في النصوص كمثل ما قد حذقوا في الرأي طول زمان
واكحل جفون القلب بالوحيين واحـ ـذر كحلهم يا كثرة العميان
فالله بين فيهما طرق الهدى لعباده في أحسن التبيان
لم يحوج الله الخلائق معهما لخيال فلتان ورأي فلان
فالوحي كاف للذي يعنى به شاف لداء جهالة الإنسان
وتفاوت العلماء في أفهامهم للوحي فوق تفاوت الأبدان
والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان
نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني
[ ٢٦٥ ]
والعلم أقسام ثلاث ما لها من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والكل في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالفرقان
والله ما قال امرؤ متحذلق بسواهما إلا من الهذيان
إن قلتم تقريره فمقرر بأتم تقرير من الرحمن
أو قلتم إيضاحه فمبيّن بأتم إيضاح وخير بيان
أو قلتم إيجازه فهو الذي في غاية الإيجاز والتبيان
أو قلتم معناه هذا فاقصدوا معنى الخطاب بعينه وعيان
أو قلتم نحن التراجم فاقصدوا المـ ـعنى بلا شطط ولا نقصان
أو قلتم بخلافه فكلامكم في غاية الإنكار والبطلان
أو قلتم قسنا عليه نظيره فقياسكم نوعان مختلفان
نوع يخالف نصه فهو المحا ل وذاك عند الله ذو بطلان
وكلامنا فيه وليس كلامنا في غيره أعني القياس الثاني
ما لا يخالف نصه فالناس قد عملوا به في سائر الأزمان
لكنه عند الضرورة لا يصار إليه إلا بعد ذا الفقدان
هذا جواب الشافعي لأحمد لله درك من إمام زمان
والله ما اضطر العباد إليه فيـ ـما بينهم من حادث بزمان
[ ٢٦٦ ]
فإذا رأيت النص عنه ساكتا فسكوته عفو من الرحمن
وهو المباح إباحة العفو الذي ما فيه من حرج ولا نكران
فأضف إلى هذا عموم اللفظ والـ معنى وحسن الفهم في القرآن
فهناك تصبح في غنى وكفاية عن كل ذي رأي وذي حسبان
ومقدرات الذهن لم يضمن لنا تبيانها بالنص والقرآن
وهي التي فيها اعتراك الرأي من تحت العجاج وجولة الأذهان
لكن هنا أمران لو تما لما احتجنا إليه فحبذا الأمران
جمع النصوص وفهم معناها المرا د بلفظها والفهم مرتبتان
إحداهما مدلول ذاك اللفظ وضـ ـعا أو لزوما ثم هذا الثاني
فيه تفاوت الفهم تفاوتا لم ينضبط أبدا له طرفان
فالشيء يلزمه لوازم جمة عند الخبير به وذي العرفان
فبقدر ذاك الخبر يحصي من لوا زمه وهذا واضح التبيان
ولذلك من عرف الكتاب حقيقة عرف الوجود جميعه ببيان
وكذاك يعرف جملة الشرع الذي يحتاجه الإنسان كل زمان
علما بتفصيل وعلما مجملا تفصيله أيضا بوحي ثان
وكلاهما وحيان قد ضمنا لنا أعلى العلوم بغاية التبيان
ولذاك يعرف من صفات الله والـ أفعال والأسماء ذي الإحسان
ما ليس يعرف من كتاب غيره أبدا ولا ما قالت الثقلان
[ ٢٦٧ ]
وكذاك يعرف من صفات البعث بالتـ ـفصيل والإجمال في القرآن
ما يجعل اليوم العظيم مشاهدا بالقلب كالمشهود رأي عيان
وكذاك يعرف من حقيقة نفسه وصفاتها بحقيقة العرفان
يعرف لوزامها ما الذي فيها من الـ حاجات والإعدام والنقصان
وكذاك يعرف ربه وصفاته أيضا بلا مثل ولا نقصان
وهنا ثلاثة أوجه فافطن لها إن كنت ذا علم وذا عرفان
بالضد والأولى كذا بالامتناع لعلمنا بالنفس والرحمن
فالضد معرفة الإله بضد ما في النفس من عيب ومن نقصان
وحقيقة الأولى ثبوت كماله إذ كان معطيه على الإحسان
[ ٢٦٨ ]