وأتت طوائف الاتحاد بملة طمت على ما قال كل لسان
قالوا كلام الله كل كلام هذا الـ ـخلق من جن ومن إنسان
نظما ونثرا زوره وصحيحه صدقا وكذبا واضح البطلان
فالسب والشتم القبيح وقذفهم للمحصنات وكل نوع أغان
والنوح والتعزيم والسحر المبـ ـين وسائر البهتان والهذيان
هو عين قول الله ﷻ وكلامه حقا بلا نكران
هذا الذي أدى إليه أصلهم وعليه قام مكسح البنيان
إذ أصلهم أن الإله حقيقة عين الوجود وعين ذي الأكوان
فكلامها وصفاتها هو قوله وصفاته ما ها هنا قولان
وكذاك قالوا إنه الموصوف بالضـ ـدين من قبح ومن إحسان
وكذلك قد وصفوه أيضا بالكما ل وضده من سائر النقصان
هذي مقالات الطوائف كلها حملت إليك رخيصة الأثمان
وأظن لو فتشت كتب الناس ما ألفيتها أبدا بذا التبيان
زفت إليك فإن يكن لك ناظر أبصرت ذات الحسن والإحسان
[ ٥٥ ]
فاعطف على الجهمية المغل الألى خرقوا سياج العقل والقرآن
شرد بهم من خلفهم واكسرهم بل ناد في ناديهم بأذان
أفسدتم المعقول والمنقول والـ ـمسموع من لغة بكل لسان
أيصح وصف الشيء بالمشتق والـ ـمسلوب معناه لذي الأذهان
أيصح صبار ولا صبر له ويصح شكار بلا شكران
ويصح علام ولا علم له ويصح غفار بلا غفران
ويقال هذا سامع أو مبصر والسمع والإبصار مفقودان
هذا محال في العقول وفي النقو ل وفي اللغات وغير ذي إمكان
فلئن زعمتم أنه متكلم لكن بقول قام بالإنسان
أو غيره فيقال هذا باطل وعليكم في ذاك محذوران
نفي اشتقاق اللفظ للموجود معـ ـناه به وثبوته للثاني
أعني الذي ما قام معناه به قلب الحقائق أقبح البهتان
ونظير ذا أخوان هذا مبصر وأخوه معدود من العميان
سميتم الأعمى بصيرا إذ أخو هـ مبصر وبعكسه في الثاني
فلئن زعمتم أن ذلك ثابت في فعله كالخلق للأكوان
والفعل ليس بقائم بإلهنا إذ لا يكون محل ذي حدثان
ويصح أن يشتق منه خالق فكذلك المتكلم الوحداني
[ ٥٦ ]
هو فاعل لكلامه وكتابه ليس الكلام له بوصف معان
ومخالف المعقول والمنقول والـ ـفطرات والمسموع للإنسان
من قال إن كلامه سبحانه وصف قديم أحرف ومعان
والسين عند الباء ليست بعدها لكن هما حرفان مقترنان
أو قال إن كلامه سبحانه معنى قديم قام بالرحمن
ما أن له كل ولا بعض ولا ال عربي حقيقته ولا العبراني
والأمر عين النهي واستفهامه هو عين أخبار بلا فرقان
وكلامه كحياته ما ذاك مقـ ـدور له بل لازم الرحمن
هذا الذي قد خالف المعقول والـ ـمنقول والفطرات للإنسان
أما الذي قد قال إن كلامه ذو أحرف قد رتبت ببيان
وكلامه بمشيئة وإرادة كالفعل منه كلاهما سيان
فهو الذي قد قال قولا يعلم الـ عقلاء صحته بلا نكران
فلأي شيء كان ما قد قلتم أولى وأقرب منه للبرهان
ولأي شيء دائما كفرتم أصحاب هذا القول بالعدوان
فدعوا الدعاوى وابحثوا معنى بتحقيق وإنصاف بلا عدوان
وارفوا مذاهبكم وسدوا خرقها إن كان ذاك الرفو في الإمكان
فاحكم هداك الله بينهم فقد أدلوا إليك بحجة وبيان
لا تنصرن سوى الحديث وأهله هم عسكر الإيمان والقرآن
[ ٥٧ ]
وتحيزن إليهم لا غيرهم لتكون منصورا لدى الرحمن
فتقول هذا القدر قد أعيا على أهل الكلام وقاده أصلان
إحداهما هل فعل مفعوله أو غيره فهما لهم قولان
والقائلون بأنه هو عينه فروا من الأوصاف بالحدثان
لكن حقيقة قولهم وصريحه تعطيل خالق هذه الأكوان
عن فعله إذ فعله مفعوله لكنه ما قام بالرحمن
فعلى الحقيقة ما له فعل إذ الـ ـمفعول منفصل عن الديان
والقائلون بأنه غير له متنازعون وهم فطائفتان
إحداهما قالت قديم قائم بالذات وهو كقدرة المنان
سموه تكوينا قديما قاله أتباع شيخ العالم النعماني
وخصومهم لم ينصفوا في رده بل كابروهم ما أتوا ببيان
والآخرون رأوه أمرا حادثا بالذات قام وأنهم نوعان
إحداهما جعلته مفتتحا به حذر التسلسل ليس ذا إمكان
هذا الذي قالته كرامية ففعاله وكلامه سيان
والآخرون أولو الحديث كأحمد ذاك ابن حنبل الرضى الشيباني
قد قال إن الله حقا لم يزل متكلما إن شاء ذو إحسان
جعل الكلام صفات فعل قائم بالذات لم يفقد من الرحمن
وكذاك نص على دوام الفعل بالإحسان أيضا في مكان ثان
[ ٥٨ ]
وكذا ابن عباس فراجع قوله لما أجاب مسائل القرآن
وكذاك جعفر الإمام الصادق الـ ـمقبول عند الخلق ذو العرفان
قد قال لم يزل المهيمن محسنا برا جوادا عند كل أوان
وكذا الإمام الدارمي فإنه قد قال ما فيه هدى الحيران
قال الحياة مع الفعال كلاهما متلازمان فليس يفترقان
صدق الإمام فكل حي فهو فعال وذا في غاية التبيان
إلا إذا ما كان ثم موانع من آفة أو قاسر الحيوان
والرب ليس لفعله من مانع ما شاء كان بقدرة الديان
ومشيئة الرحمن لازمة له وكذاك قدرة ربنا الرحمن
هذا وقد فطر الإله عباده إن المهيمن دائم الإحسان
أو لست تسمع قول كل موحد ادائم المعروف والسلطان
وقديم الإحسان الكثير ودائم ال جود العظيم وصاحب الغفران
من غير إنكار عليهم فطرة فطروا عليها لا تواصي ثان
أو ليس فعل الرب تابع وصفه وكماله أفذاك ذو حدثان
وكماله سبب الفعال وخلقه أفعالهم سبب الكمال الثاني
أو ما فعال الرب عين كماله أفذاك ممتنع عن المنان
أزلا إلى أن صار فيما لم يزل متمكنا والفعل ذو إمكان
تالله قد ضلت عقول القوم إذ الوا بهذا القول ذي البطلان
[ ٥٩ ]
ماذا الذي أضحى له متجددا حتى تمكن فانطقوا ببيان
والرب ليس معطلا عن فعله بل كل يوم ربنا في شان
والأمر والتكوين وصف كماله قدما فذا ووجوده سيان
وتخلف التأثير بعد تمام مو جبه محال ليس في الإمكان
والله ربي لم يزل ذا قدرة ومشيئة ويليهما وصفان
العلم مع وصف الحياة وهذه أوصاف ذات الخالق المنان
وبها تمام الفعل ليس بدونها فعل يتم بواضح البرهان
فلأي شيء قد تأخر فعله مع موجب قد تمّ بالأركان
ما كان ممتنعا عليه الفعل بل ما زال فعل الله ذا إمكان
والله عاب المشركين بأنهم عبدوا الحجارة في رضا الشيطان
ونعى عليهم كونها ليست بخا لقة وليست ذات نطق بيان
فأبان أن العقل والتكليم من أوثانهم لا شك مفقودان
وإذا هما فقدا فما مسلوبها بإله حق هو ذو بطلان
والله فهو إله حق دائما أفعنه ذا الوصفان مسلوبان
أزلا وليس لفقدها من غاية هذا المحال وأعظم البطلان
إن كان رب العرش حقا لم يزل أبدا إله الحق ذا سلطان
فكذاك أيضا لم يزل متكلما بل فاعلا ما شاء ذا إحسان
والله ما في العقل ما يقضي لذا بالرد والإبطال والنكران
بل ليس في المعقول غير ثبوته للخالق الأزلي ذي الإحسان
[ ٦٠ ]
هذا وما دون المهيمن حادث ليس القديم سواه في الأكوان
والله سابق كل شيء غيره ما ربنا والخلق مقترنان
والله كان وليس شيءغيره سبحانه جل العظيم الشان
لسنا نقول كما يقول الملحد الـ زنديق صاحب منطق اليونان
بدوام هذا العام المشهود والـ أرواح في أزل وليس بفان
هذي مقالات الملحدة الألى كفروا بخالق هذه الأكوان
وأتى ابن سينا بعد ذاك مصانعا للمسلمين فقال بالإمكان
لكنه الأزلي ليس بمحدث ما كان معدوما ولا هو فان
وأتى بصلح بين طائفتين بينهما الحروب وما هما سلمان
أنى يكون المسلمون وشيعة الـ يونان صلحا قط في الإيمان
والسيف بين الأنبياء وبينهم والحرب بينهم فحرب عوان
وكذا أتى الطوسي بالحرب الصر يح بصارم منه وسل لسان
وأتى إلى الإسلام يهدم أصله من أسه وقواعد البنيان
عمر المدارس للفلاسفة الألى كفروا بدين الله والقرآن
وأتى إلى أوقاف أهل الدين ينقلها إليهم فعل ذي أضغان
وأراد تحويل الإشارات التي هي لابن سينا موضع الفرقان
وأراد تحويل الشريعة بالنوا ميس التي كانت لذي اليونان
لكنه علم اللعين بأن ها ذا ليس في المقدور والإمكان
إلا إذا قتل الخليفة والقضا ة وسائر الفقهاء في البلدان
[ ٦١ ]
فسعى لذلك وساعد المقدور بالأمر الذي هو حكمة الرحمن
فأشار أن يضع التتار سيوفهم في عسكر الإيمان والقرآن
لكنهم يبقون أهل مصانع الد نيا لأجل مصالح الأبدان
فغدا على سيف التتار الألف في مثل لها مضروبة بوزان
وكذا ثمان مئينهما في ألفها مضروبة بالعد والحسبان
حتى بكى الإسلام أعداه اليهود كذا المجوس وعابد الصلبان
فشفى اللعين النفس من حزب الر سول وعسكر الإيمان والقرآن
وبوده لو كان في أحد وقد شهد الوقيعة مع أبي سفيان
لأقر أعينهم وأوفى نذره أو أن يرى متمزق اللحمان
وشواهد الأحداث ظاهرة على ذا العالم المخلوق بالبرهان
وأدلة التوحيد تشهد كلها بحدوث كل ما سوى الرحمن
لو كان غير الله ﷻ معه قديما كان ربا ثان
إذ كان عن رب العلى مستغنيا فيكون حينئذ لنا ربان
والرب باستقلاله متوحد أفممكن أن يستقل اثنان
لو كان ذاك تنافيا وتساقطا فإذا هما عدمان ممتنعان
والقهر والتوحيد يشهد منهما كل لصاحبه هما عدلان
ولذلك اقترنا جميعا في صفا ت الله فانظر ذاك في القرآن
فالواحد القهار حقا ليس في الإ مكان أن تحظى به ذاتان
[ ٦٢ ]