الشرك في قوم نوح:
أخرج البخاري في " صحيحه " (٨/٦٦٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾ الآية [نوح: ٢٣]، عن ابن عباس -﵄-: " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ.
أما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل.
وأما سواع فكانت لهذيل.
وأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ.
وأما يعوق فكانت لهمدان.
وأما نسر فكانت لحمير لآلِ ذي الكلاع.
أسماءُ رجالٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عبدت"، ومما جاء في معنى كلام ابن عباس ما أخرجه عبدُ بن حميد عن محمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣-٢٤] .
قال: " كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم، يأخذون كأخذهم في العبادة. فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، فصورا ثم ماتوا. فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها، فعبدوها".
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر، يزيد ابن المهلب، فقال: "أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر ودًا، قال: وكان ودٌّ رجلًا مسلمًا، وكان محببًا في قومه، فلما مات
[ ٩٩ ]
عسكروا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال:
أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله فوضعه في ناديهم، وجعلوا يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال:
هل لكم أن أجعل لكم في كل منزل كل رجل تمثالًا مثله، فيكون في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم.
فصور لأهل كل بيت تمثالًا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعونه به، وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله. قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود، الصنم الذي سموه بود". اهـ.
وهناك روايات أخر، قال الحافظ في " فتح الباري " (٨/٦٦٩): " قال بعض الشراح: محصل ما قيل في هذه الأصنام قولان:
أحدهما: أنها كانت في قوم نوح.
الثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين. إلى آخر القصة.
قلت: بل مرجع ذلك إلى قولٍ واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
[ ١٠٠ ]
الشرك في قوم إبراهيم:
قال الشهرستاني في " الملل والنحل " (١/٥٦٠-٥٦٣): "وكانت الفرق في زمان الخليل -﵇- راجعة إلى صنفين اثنين:
أحدهما: الصابئة.
والثاني: الحنفاء.
فالصابئة كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى " متوسط "، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيًا لا جسمانيًا، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة. قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] .
والحنفاء كانت تقول: إنا نحتاج -في المعرفة والطاعة- إلى متوسط من جنس البشر، تكون درجته في الطهارة والعصمة، والتأييد والحكمة: فوق الروحنيات، يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية. فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال عزَّ ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] .
ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة والتقرب إليها بأعيانها والتلقي عنها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها، وهي السيارات السبع وبعض الثوابت.
فصابئة النبط والفرس والروم: مفزعها السيارات.
[ ١٠١ ]
وصابئة الهند: مفزعها الثوابت.
وسنذكر مذاهبهم على التفصيل على قدر الإمكان بتوفيق الله تعالى. وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئًا.
والفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب.
والثانية: هم عبدة الأصنام.
ثم قال ص٦٧٣ ذاكرًا مذهب أصحاب الروحانيات: " ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدسًا عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجر عن الوصول إلى جلاله. وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون: جوهرًا، وفعلًا، وحالة.
أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرؤون عن القوى الجسدانية، المنزهون عن الحركات المكانية، والتغيرات الزمانية، قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول: عاذيمون، وهرمس.
فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم، وهم أربابنا وآلهتنا، ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب وإله الآلهة رب كل شيء ومليكه" اهـ.
والغرض من نقل هذا كله تبيان بعض حال الصابئة الذين عبدوا الكواكب؛ لشبهة الوصول إلى الله عن طريق من جُبلَ على الطهارة والتقديس والتسبيح.
وبين شرك قوم نوح وشرك قوم إبراهيم جامعٌ تفرعت عنه أصناف الشرك بعد في الناس، فمقل من الشبه ومستكثر، فبعثت لهم الرسل، فكان شرك قوم نوح يرجع إلى مظاهر الصلاح في البشر، وشرك قوم
[ ١٠٢ ]
إبراهيم من العقل والفلسفة لأسرار الطبيعة ووظائف الأفلاك. فشرك قوم نوح شرك تقريب وشفاعة.
وشرك قوم إبراهيم شرك أسباب وإعانة، فإذا اتخذت له أصنام كان شرك تقريب وشفاعة، كما دل عليه آخر كلام الشهرستاني.
شرك العرب وديانتهم:
اعلم أن العرب كانوا بعد إبراهيم -﵇- على دينه الحنيفية، وبُثَّ هذا الدين فيهم، فتلقوه من ولد إسماعيل ﵇، وانتشرت فيهم الحنيفية، وأحبوا البيت وهوت إليه قلوبهم.
" وأول من وضع فيه الأصنام عمرو بن لُحَيْ بن غالوثة بن عمرو بن عامر لما سار قومه إلى مكة، واستولى على أمر البيت، ثم صار إلى مدينة البلقاء بالشام، فرأى هناك قومًا يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية، والأشخاص البشرية: نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، ونستشفي بها فنشفى. . فأعجبه ذلك.
وطلب منهم صنمًا من أصنامهم فدفعوا إليه هبل، فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة. وكان معه إساف ونائلة على شكل زوجين، فدعا الناس إلى تعظيمها، والتقرب إليها، والتوسل بها إلى الله تعالى "١.
وذكر الشهرستاني أيضًا أديان العرب واعتقاداتهم، فأجملهم:
الطائفة الأولى: منكروا الخالق والبعث والإعادة وهم شرذمة وأفراد.
الطائفة الثانية: منكرو البعث والإعادة.
الطائفة الثالثة: عباد الأصنام.
_________________
(١) ١ الشهرستاني، " الملل والنحل " (٢/١٢٢٢-١٢٢٣) ط. بدران.
[ ١٠٣ ]
ومنهم من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية، ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة. قال عند ذكره الطائفة الثالثة (٢/١٢٣٢): " وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق، ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلوا وحرموا. وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم" اهـ.
كيف دخل الشرك في المسلمين؟
وببعثة نبي الهدى والرحمة محمد ﷺ زالت عبادة الأصنام على أصنافها، وتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوب العرب وغيرهم متجهة إلى الله وحده، لا شريك معه غيره لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فأتم الله الأمر، وأكمل دينه، وأعلا كلمته.
فدام على هذا المسلمون زمانًا وقرونًا، حتى ظهرت فيهم الحركات الباطنية الخبيثة: كالإسماعيلة وما تفرع عنها من قرامطة، وإخوان الصفا، وعبيديين، ودروز ونحوهم مما يعدون صورًا لعقيدة واحدة.
اتخذت هذه الحركة منذ القديم تقديس أهل بيت الرسول ﷺ شعارًا لها، وسلسلوا الإمامة في إسماعيل بن جعفر، وكانوا في تقديسهم لآل البيت مشهورين، فالدولة الفاطمية أثر هذه الحركة الباطنية.
فالمسلمون في القرون الأولى لا يوجد بينهم من تحوم مظاهر الشرك في ذهنه كشرك العرب باتخاذ الصالحين والأنبياء وسائل وشفعاء، حتى بث الاسماعيليون معتقداتهم بين الناس سرًا، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذ يظهر الاعتناء بالقبور وتشييد
[ ١٠٤ ]
مزارات ومشاهد، وتحري الدعاء عندها، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء، ثم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن له تصرفًا في الكون، تدرج هذا في قرنين أو نحوها.
وإن أقدم من وقفت عليه يرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الاسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بثت عقائدها، ورسائلها الخمسين بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب ولا مصنف، وإن ظن ظنًا.
ثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت الموسويون الملقبون بالاثني عشرية، وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد، وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة إلى أئمة أهل البيت ﵃.
وقد طالعت كتاب " الزيارات الكاملة " لابن قولوية ١ فرأيت فيه من هذا شيئًا كثيرًا، وهو مطبوع، ومن طالع تراث الإسماعيلين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلتُه ماثلًا أمامه، فإن الشأن عظيم، وإن فتنة الناس بالقبور واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سرًا من عقائدها.
جاء في الرسالة الثانية والأربعين من "رسائل إخوان الصفا" ما يبين هذا، ويبرهن له، فقال مؤلفوا الرسائل (٤/١٩-٢١): " وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي ﵊ والتحية والرضوان، كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى بالتعظيم لها والسجود
_________________
(١) ١ هو أبو القاسم جعفر بن محمد، المتوفي سنة ٣٦٧ هـ، وكتابه طبع طبعة حجرية بالنجف سنة ١٣٥٦هـ.
[ ١٠٥ ]
والاستسلام والبخورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز ولا حس ولا صورة ولا حركة، فأرسلهم الله، ودلهم على ماهو أهدى وأقوم، وأولى مما كانوا فيه.
وذلك أن الأنبياء -﵈- وإن كانوا بشرًا فهم أحياء ناطقون مميزون، علماء مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنك شيئًا.
ثم اعلم أنا نبين هاهنا بدء عبادة الأصنام فنقول: بأن بدء عبادة الامم للأصنام أولًا كان عبادة الكواكب، وبدء عبادة الكواكب كان عبادة الملائكة، وسبب عبادة الملائكة كان التوسل بهم إلى الله تعالى، وطلب القربة إليه.
وذلك أن الحكماء الأولين لما عرفوا بذكاء نفوسهم وصفاء أذهانهم أن للعالم صانعًا حكيمًا، وذلك لتأملهم عجائب مصنوعاته، وتفكرهم في غرائب مخلوقاته، واعتبارهم تصانيف أحوال مخترعاته، ولما تحققت في نفوسهم هويته، أقروا له عند ذلك بالوحدانية ووصفوه بالربوبية، وعلموا أن له ملائكة هم صفوته من خلقه، وخالص عباده من بريته: طلبوا عند ذلك إلى الله القربة، وتوسلوا إليه بهم، وطلبوا الزلفى لديه بالتعظيم لهم، كما يفعل أبناء الدنيا، ويطلبون القربة إلى ملوكهم بالتوسل إليهم بأقرب المختصين بهم، وكان من الناس من يتوسل إلى الملك بأقاربه وندمائه ووزرائه وكُتّابه وخواصّه وقواده، وبمن يمكنه بحسب ما يتأتى له، الأقرب فالاقرب والأدنى فالأدنى، كل ذلك طلبًا للقربة إليه والزلفى لديه.
[ ١٠٦ ]
فهكذا؛ وعلى هذا المثال فعلت الحكماء وأهل الديانات ومن عرف الله، وآمن به وأقر به، فإنهم طلبوا القربة إليه والزلفى عنده: كل واحد بحسب ما أمكنه وتأتى له، وأدى إليه اجتهاده، وتحقق في نفسه.
فلما مضى أولئك الحكماء والربانيون العارفون بالله حق معرفته، وانقرضوا، خلفهم قوم آخرون لم يكونوا مثلهم في المعرفة والعلم، ولم يعرفوا مغزاهم في دياناتهم، فأرادوا الاقتداء بهم في سيرتهم واتخذوا أصنامًا على مثل صورتهم، وصوروا تماثيل على مثل ما فعلت النصارى في بيعهم، من التماثيل والصور مثل أشباه المسيح -﵇- ومثل الروح القدس وجبرائيل ومريم -﵉-، وكذلك أحوال المسيح في متصرفاته؛ ليكون ذلك تذكارًا لهم بأحواله كيفما يمموا تلك التصاوير والتماثيل.
ثم قال إخوان الصفا الباطنيون:
فصل:
ثم اعلم يا أخي! أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم ومساجدهم، ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم، ويتأتى لهم، ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم، فأما من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله.
وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته: فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم، والتعلق بسننهم، والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار وطلب الغفران والرحمة
[ ١٠٧ ]
عند قبورهم، وعند التماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله والزلفى لديه.
ثم اعلم! أنه على كل حال من يعبد شيئًا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو أصلح حالًا ممن لا يدين شيئًا ولا يتقرب إلى الله البتة. ." انتهى ما نقلته من رسائل إخوان الصفا.
وهذه الجماعة الباطنية كان مبدأ نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك في أواسط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفروا أصحابها كما قال ابن عقيل صاحب الفنون وهو من علماء القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية قال: " لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداءً بمن عبد اللات والعزى. . ." انتهى.
[ ١٠٨ ]
فصل
قال صاحب المفاهيم ص٢٦ معنونًا: "الواسطة الشركية"، ذكر قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فقال: " هذه الآية صريحة في الإنكار على المشركين عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة من دونه تعالى، وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله زلفى.
فكفرهم وشركهم من حيث عبادتهم لها ومن حيث اعتقادهم أنها أرباب من دون الله. وهنا مهمة لا بد من بيانها وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين ما كانوا جادّين فيما يحكي ربنا عنهم" اهـ.
أقول: حوى هذا الكلام على مسألتين:
الأولى: أن كفار العرب ومشركيهم يعتقدون أن أصنامهم أرباب من دون الله، تخلق وترزق، وهذه تخالف صريح القرآن فيما حكاه عنهم.
الثانية: أن قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، لم يقولوه على سبيل الجد، فيما حكاه الله عنهم، وهذه المسألة الثانية من عجائب الأقوال، وغرائب المخترعات، مما سبق به كتاب " المفاهيم " غيره، وبزّه! ! فالله يحكي عن المشركين قولًا يبني عليه حكمًا وعند هذا أنهم غير جادين، وكأن الله حكى عنهم غير عالم أنهم ليسوا جادين، أفتراه يحكي هزلًا، والقرآن فصل؟ ! ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣، ١٤] .
[ ١٠٩ ]
وكلماته في هذه المسألة مما يأنف أن يقوله طالبُ علم، بل لا يقوله إلا من في قلبه زغل وفتنة، وشرك وبدعة.
يقول الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، هذه الآية بتمامها، أسيقت لقولٍ غير جاد؟ سبحان الله من هذا الافتراء المحض! ! الذي خالف أقوال أهل العلم جميعًا، ولم يقل به أحدًا من المفسرين هذا الذي فهمه صاحب المفاهيم.
قال الفخر الرازي في " تفسيره " (٢٦/٢٤١):
"واعلم! أن الضمير في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان: العقلاء، وغير العقلاء، أما العقلاء: فهو أن قومًا عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام. إذا عرفت هذا فتقول: الكلام الذي ذكره الكفار لائقٌ بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين:
الأول: أن الضمير في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ضمير للعقلاء، فلا يليق بالأصنام.
الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزير والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعدُ من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله؟ . . . " اهـ.
[ ١١٠ ]
ولا بأس أن نشفع كلام الرازي بكلام أحد المتأخرين، هو سيد قطب في كتابه " في ظلال القرآن " قال: (٥/٣٠٣٧): "فلقد كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض. . . ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة، وفي إخلاص الدين لله بلا شريك.
إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه، ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها، ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة -وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة١ - ليست عبادة لها في ذاتها، إنما هي زلفى، وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده وتقربهم منه!
وهو انحراف عن بساطة الفكرة واستقامتها، إلى هذا التعقيد والتخويف، فلا الملائكة بنات الله، ولا الأصنام تماثيل الملائكة، ولا الله -سبحانه- يرضى بهذا الانحراف، ولا هو يقبل فيهم شفاعة، ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق، وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة، كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام، وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول.
وإنا لنرى اليوم في كل مكان "عبادة" للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة، أو تماثيل الملائكة، تقربًا إلى الله بزعمهم، وطلبًا لشفاعتهم عنده. وهو سبحانه يحدد الطريق إليه، طريق التوحيد الخالص الذي لا يلتبس بوساطة أو شفاعة، على هذا النحو الأسطوري العجيب ".
_________________
(١) ١ ليست اللات والعزى ومناة تماثيل للملائكة، كما يعلم من تفسير سورة النجم، بل هي تماثيل لبشر أو حجر.
[ ١١١ ]
وفي تفسير " التحرير والتنوير " (٢٣/٣٢٢): "والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا﴾، استثناء من علل محذوفة. أي: ما نعبدهم لشيءٍ إلا لعلّة أن يقربونا إلى الله، فيفيد قصرًا على هذه العلة قَصْر قلب إضافي. . . " انتهى.
ولو نقلت ما قاله المفسرون لبلغ مئاتٍ من الصفحات، ولكن فيما ذكر فتحُ بابٍ لمن أراد مزيدًا من النقول.
فبهذا ظهر أن قول صاحب المفاهيم: " وإن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم" من المفاهيم الباهتة التي تفرد بها بعد أربعة عشر قرنًا، ولازمها أن هذا القرآن فيه كلام يحكيه رب العالمين ليس صدقًا بل هزلًا، فبئست المقالة.
وقد أظهر صاحب المفاهيم هذا اللازم حيث قال ص٢٧: "وقل ذلك أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فإنهم لو كانوا يعتقدون حقًا أن الله تعالى الخالق وحده، وأن أصنامهم لا تخلق لكانت عبادتهم لله وحده دونها" اهـ.
وهذا كلام لو مزج بماءٍ فراتٍ لمزجه، ويأتي رده في المسألة التالية كلامي هذا.
[ ١١٢ ]
توحيد الربوبية والإلهية
أما المسألة الأولى: وهي زعمه أن كفار العرب الذين بعث إليهم رسول الله إنما كفروا وأشركوا؛ لأنهم اعتقدوا أن أصنامهم أرباب، تخلق وترزق، فصاحب المفاهيم يظن أن كفار العرب لم يكونوا يقولون بأن الله خالقهم، وذكر آية لقمان والزمر: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فقال: إنهم لا يعتقدون ذلك، وإنما حكى الله عنهم ما لم يعتقدوه كما مر نقله بنصه آنفًا.
وهذه المسألة أصل ضلال كثير من الخلق، وأصلها الذي سبَّب نشرها بين الناس هو منطق اليونان المذموم، ومن تتلمذ له من أهل الكلام المشؤوم، وهي القاعدة التي ارتكز عليها أتباع أولئك الأقوام في تفسير كلمة التوحيد.
والحق الذي لا مرية فيه وأطبق عليه كل العلماء وهو صريح القرآن، أن مشركي العرب في زمن رسول الله ﷺ كانوا يعتقدون أن الله خالقهم ورازقهم، فهم مقرون بتوحيد الرب بأفعاله، من الخلق والرِّزق والتدبير والإحياء والإماتة والتسخير ونحو ذلك من أفعال الرب، فلم يكونوا يعتقدون مشاركة أحدٍ له في ذلك، وهو الذي سماه العلماء: " توحيد الربوبية".
فهم مقرون بهذا التوحيد، ولم يدخلهم في الإسلام، وليسوا مقرين بتوحيد الله بأفعالهم: كالدعاء والاستغاثة والرجاء والخوف والمحبة والنذر والذبح ونحو ذلك، مما سماه العلماء: " توحيد الألوهية"، أي: توحيد العبادة.
[ ١١٣ ]
وقد نوع الله جل وعلا في كتابه الكريم الدلائل في إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، وإشراكهم في الألوهية، بما إذا قرأه المسلم زاد تبصرًا في حالهم، وفقهًا في عقيدتهم.
النوع الأول من الدلائل على ذلك:
كقوله تعلى في سورة (يونس): ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .
وقال ﷿ في سورة (المؤمنون): ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩]، فتأمل تعقيبه بـ ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، والنكتة فيه أن من أقر بكل هذا ولم يوحد الله بالعبادة فهو مسحور، سحر جاهٍ أو سحر رياسة، أو نحوه.
وقال تعالى اسمه وتعاظم في سورة (العنكبوت): ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ
[ ١١٤ ]
مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦١-٦٣] وقال تعالى في (لقمان): ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وفي (الزمر): ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] الآية. وغير هذه الآيات في القرآن.
وهي ظاهرة في أن اعتقاد المشركين: أن لا رازق إلا الله، وأنه تعالى مالك السمع والأبصار، والمحي المميت، وهو مدبر الأمر.
وأنه تعالى له الأرض ومن فيها، وله السماوات السبع والعرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، ليس لأحدٍ ملك، وأنه يجير ولا يجار عليه.
وأنه خالق السماوات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، وأنه منزل القطر، ومحي الأرض بعد موتها. كل هذا اعتقاد مشركي العرب وغيرهم، حكاه القرآن عنهم، وألزم أولئك بأنهم ما داموا مقرين بذلك فَلِمَ لَمْ يوحدوه بعبادته؟ ! ولِمَ يتخذون شفعاء يطلبون شفاعتها من عقلاء أموات، أو جمادات؟ !
وصاحب المفاهيم ينكر هذا ويقول: إن هؤلاء المشركين لم يقروا بما حكاه الله عنهم، فيا لها من جراءة ما بعدها جراءة! !
النوع الثاني: كقوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون إن
[ ١١٥ ]
معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد " إنّ "، وأكدت باللام.
فلفظ "مع" في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يدل على أنهم مقرون بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم.
وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٥، ٩٦]، وقوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله تعالى في آيات النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣]، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [قّ: ٢٦]، والآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله إلهًا، فهم مقرون بربوبية الله وأحديته،
[ ١١٦ ]
ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة، ومن تأمل هذا وتدبر تلك الآيات الكريمات العزيزات، انفتحت له من العلم أبوابٌ ولج منها إلى الفهم الصحيح لما بعث الله به رسله.
النوع الثالث: كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْلِلّهِ شُرَكَاء﴾ [الرعد: ٣٣] في الرعد وغيرها من الآيات المفيدة أنهم مقرون على أنفسهم بالشرك، في العبادة بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن هذا.
ولفظ الشرك لا يكون في لسانٍ إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله، ولكنهم أشركوا به في الإلهية.
النوع الرابع: إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كَذَّبوا رسول الله ﷺ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر، لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط. وهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى
[ ١١٧ ]
الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] .
فيا من قال: إن أولئك الكفار يشركون بربوبية الله لا في عبادته؛ ويتأول آياتٍ تأويلًا من نوع اللعب! يا من قال ذلك! أفيدعو أولئك مخلصين في حالة الشدة من لم يعتقدوا ربوبيته وإلهيته؟ !
إن الحق الذي لا يجوز المحيد عنه وهو الذي دل عليه القرآن، من إقرار المشركين بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كان الشدة والكرب، أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين.
النوع الخامس: كقوله تعالى في آخر سورة (يوسف): ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا، ومميتنا وحيينا، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكًا في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر، وقتادة، وعطاء، وجمع كما في " تفسير ابن جرير " (١٣/٥٠-٥١)، وابن أبي حاتم.
هذا هدى، فهل لهؤلاء من آذانٍ صاغية، وقلوب تخاف الآخرة، ونفوسٍ تكره النار وغضب الجبار؟ ! اللهم! اهدهم فإنهم لا يعلمون.
[ ١١٨ ]
الدليل من السنة على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية
وكذا في السنة أدلة على إقرار المشركين بالربوبية، وأن ذلك الإقرار لا ينفع إلا إذا شهد المقر بالربوبية "أن لا إله إلا الله"، والإله هو المعبود كما قال تعالى: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ﴾ [هود: ٢٦]، فمن ذلك: ما أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢/٤) عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار. فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى".
فقول رسول الله ﷺ لمن قال: " الله أكبر": على الفطرة، أفاد فائدة وهي أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية، هو في الفطر مستقر١، ولذا لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا بقوله: " أشهد أن لا إله إلا الله"، شهادة متضمنة نفي كل معبود سوى الله، وهو توحيد الألوهية، ودلالة هذا ظاهرة.
ومن ذلك ما جاء في " صحيح مسلم " (١٥/١١ مع شرح النووي) عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: "ردفتُ رسول الله ﷺ يومًا فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟، قلت نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتًا، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتًا، فقال: هيه، حتى أنشدته مئة بيت".
_________________
(١) ١ ومن ذلك قول أوس بن حجر: وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله إن الله منهم أكبرُ.
[ ١١٩ ]
ورواه مسلم من طريق أخرى بمثله، وزاد: قال: " إن كاد ليسلم"، وفي الطريق الأخرى طريق عبد الرحمن بن مهدي قال: "فلقد كاد يسلم في شعره".
قال النووي: " واستزاده من إنشاده لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث" اهـ.
ومن شعر أمية قولُه:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا
بالخير صَبَّحنا ربي ومَسَّانا
ربُّ الحنيفة لم تنفد خزائنها
مملؤة طبق الآفاق أشطانا
ألا نبي لنا منا فيخبرنا
ما بعد غايتنا من رأس هجرانا
بينا يُربَّبُنا آباؤنا هلكوا
وبينما نقتفي الأولاد أبلانا
وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا
أن سوف تلحق أخرانا بأولانا
وقد عجبت وما بالموت من عجب
ما بال أحيائنا يبكون موتانا
وشعره معروف سائر، وكثير منه في نحو هذه المعاني، المفردة رب الخليقة بالربوبية، المؤمنة بالبعث.
فانظر إلى قول النبي ﷺ: " إن كاد ليسلم"، فلم يحكم له بالإسلام بمجرد توحيده رب الخليقة بالخلق والإحياء والإماتة ونحو ذلك، وهو من الجاهلين الذين كانوا في زمن النبي ﷺ.
والاكتفاء بهذين الحديثين من سنة حبيبنا ﷺ فيه كفاية لمن أراد الحق وسعى إليه.
ومن شعر العرب الدال على إقرارهم بالربوبية، قول أوس بن حجر١:
وباللات والعزى ومن دان دينها
وبالله إن الله منهن أكبر
_________________
(١) ١ الأصنام ص١٧.
[ ١٢٠ ]
ومنه قول درهم بن زيد الأوسي١:
إني ورب العُزّى السعيدة
والله الذي دون بيته سَرَفُ!
وفي الباب أشعار كثيرة فيها الإقرار بالربوبية، ولكني أجتزأت منها بما ذكرت؛ لأجل ورود ذكر الله ﷻ وأصنامهم في بيت واحد؛ ليكون أدل على المراد، وأثبت عند الحجاج.
وكانت تلبية نزار إذا ما أهلت:
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك٢.
_________________
(١) ١ الأصنام ص١٩. ٢ الأصنام (ص٧) .
[ ١٢١ ]
المجاز العقلي
وتعلق صاحب المفاهيم به في تبرير أعمال الشرك ووسائله
أكثر صاحب المفاهيم من تبرير وتسويغ ما يقوله المتوسلون بالذوات والجاه والحرمة ونحوها، وكذا ما يقوله المتخذون رسول الله ﷺ والصالحين واسطة بينهم وبين الله في الدعاء والشفاعة، وكشف الضراء وجلب السراء، وغفران الذنوب بحجة المجاز العقلي.
وكذا ما يفعله العاكفون على القبور من استغاثتهم بالأموات، وطلب الشفاعة من الصالحين المقبورين وغيرهم ممن قد لا يعرفون بصلاح، يجادل في الحكم عليهم بالشرك بحمل صنيعهم على المجاز العقلي. والاحتجاج بالمجاز العقلي، وإن احتاج إليه بعض المتأخرين من البيانيين لتخريج بعض أنواع الإسناد في قصائد الشعراء، أو في كلام العرب، فلا يجوز لتخريج الكلام الذي ظاهره شرك وكفر، بحجة صدوره من مُقِرًّ بوحدانية الخالق، وهذا مجمع عليه بين علماء الشريعة: الفقهاء والمحدثين.
ولم يحتج بالمجاز العقلي في منع التكفير إلا قلة من متأخري المنتسبين للعلم، بعد ظهور دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀-، لجأوا إلى ذلك تخلصًا من الإنكار عليهم، وتبريرًا لأوضاعهم الفاسدة، وتخريجًا لأقوالهم الشركية، وهو عمل باطل لأن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا بدليل؛ ولأن فتح هذا الباب يُحْيي شجرة الشرك.
وإليك شيئًا من كلامه:
[ ١٢٢ ]
قال ص ١٦ تحت عنوان: المجاز العقلي واستعماله:
" الاعتقاد الصحيح هو اعتقاد أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده، فهو الخالق للعباد وأفعالهم، لا تأثير لأحدٍ سواه، لا لحي، ولا لميت. فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض، بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك" اهـ.
أقول: هذا الاعتقاد هو توحيد الربوبية، وما هو بالتوحيد المحض، بل التوحيدُ المحض هو ما جمع بين توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وما لم تجتمع فيه هذه الثلاثة فليس بتوحيد محض.
وقد قدمنا بالأدلة القاطعة من القرآن والسنة أن المشركين الذين بُعِثَ إليهم النبي ﷺ كانوا مقرين بما سماه صاحب المفاهيم " توحيدًا محضًا ".
اسمع قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣١-٣٣]، فهم مقرون بأن الله هو الخالق وحده، والمحيي المميت وحده، وهو وحده مدبر الأمر، ومع ذلك أخبر أنهم ليسوا مؤمنين، وأنهم على ضلال.
فاحتج عليهم بما يقرون به: وهو توحيد الربوبية، على ما ينكرونه توحيده سبحانه بأفعالهم وهو الألوهية، ولا بُدّ عند الحجاج أن يقدم للمعارض ما به يقر، فانظر إلى لطيف هذه الحجة واستعمال القرآن لها.
[ ١٢٣ ]
والمشركون الذين بعث إليهم نبي الله إبراهيم -﵊- مقرون بذلك المعنى، ومقرون بأن الله خالق ما يعملون، فهم مخلوقون وأفعالهم مخلوقة لله.
ولذا احتج عليهم إبراهيم -﵇- بما يقرون به فقال لهم ما أخبر الله عنه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥، ٩٦] فأنكر عليهم العبادة: وهي صرف القلب لهذه المنحوتات المصورة على صور الوسائط، وحجهم بما يقرون به، وهو خلق الله لهم ولما يعملونه، فأين هذا من التوحيد المحض، وهم المشركون شركًا محضًا؟ !
وقوله: " لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت إلخ" تفوح منه رائحة قول غلاة الصوفية القائلين بوحدة الوجود، وأنه ما ثَمَّ إلا الله، وأفعال العباد هي أفعاله، وقول صاحب المفاهيم: " بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك"، نابع ومتفرع عن أصل أهل الكلام المذموم، وهو أن غاية التوحيد توحيد الربوبية، والمشرك من اعتقد وجود خالقين، أو نابع من القول بوحدة الوجود كما ذكرنا، ومن عرف حال المشركين الذين أخبر الله بأحوالهم ومعتقداتهم، تيقن بطلان هذا الكلام العقلي لا الشرعي، فإنه ليس له من دلائل الكتاب السنة نصيب، بل القرآن كله في تقرير خلافه.
ولكن تتلمذ فئام لأهل الكلام وكتبهم، وانصرفوا عن تدبر كتاب ربهم، والإشراك أقسام:
منها: ما يقع في الربوبية كاعتقاد الثنوية القائلين بوجود خالقين.
ومنها: ما يقع في الألوهية، كما هو شرك أكثر بل كل من بعثت لهم الرسل الذين قصَّ الله علينا في القرآن أخبارهم.
[ ١٢٤ ]
فما من منازع في توحيد الربوبية عند العرب إلا شرذمة لا يصح أن تنسب لهم مقالة كما قاله جمع من العلماء، وما أولئك بالموحدين توحيدًا محضًا.
قال صاحب المفاهيم ص٢١:
" والأمر الجامع في ذلك أن من أشرك مع الله ﷻ غيره في الاختراع والتأثير، فهو مشرك، سواء كان الملحوظ معه جمادًا، أو آدميًا، نبيًا، أو غيره، أو ملكًا، أو جنًا، أو عملًا عمله.
ومن اعتقد السببية في شيء من ذلك اطردت أو لم تطرد، فجعل الله تعالى سببًا لحصول مسبباتها، وأن الفاعل هو الله وحده لا شريك له فهو مؤمن، ولو أخطأ في ظنه ما ليس بسببٍ سببًا؛ لأن خطأه في السبب لا في المسبب الخالق المدبر ﷻ، وعظم شأنه".
أقول: وهذا الاعتقاد هو عين ما كان يعتقده مشركوا العرب حَذْو القذة بالقذة والنعل بالنعل، لا فرق، فكيف تجري هذه الشبه في أمة محمد ﷺ، وقد أكرمها الله ببعثة نبيه وإجابته واتباعه؟ ! ثم إن أهل وحدة الوجود يقولون: إن من اعتقد أن هناك فاعلًا غير الله فقد أشرك وهو قول الجبرية أيضًا، وذلك ما يدل عليه كلامه.
والمشركون لم يعتقدوا أن أوثانهم تخلق بنفسها، ولا أنها تنفع بنفسها ولا أنها تفعل هي، بل الفاعل عندهم والمدبر هو الله كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ [يونس: ٣١]، وقال: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨، ٨٩]، فإذا أخبرنا الله أن أولئك الأقوام إنما أشركوا شرك
[ ١٢٥ ]
واسطة، لا شرك خلق وإيجاد، أشركوا شرك تسبب لا شرك استقلال، فلماذا لا نتبع ما قال الله وندع قول أحفاد اليونان من أهل الكلام؟ !
إنها فتنة عظيمة شديدة عسى الله أن يخرج أقوامًا منها، قال تعالى إخبارًا عن أهل النار: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦-١٠٠]، فتأمل قوله تعالى حق التأمل وتدبره، واجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] تعلم من ذلك أمرين:
الأول: أن تسوية المشركين معبوديهم برب العالمين لم تكن في الخلق والإيجاد، بل سووهم برب العالمين في التوجه والعبادة.
فحق الله أن لا يتوجه بطلب الغفران ورفع الدرجات والعطاء والرحمة إلا منه. وهم توجهوا بطلب الغفران والعفو وطلب الخير من أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، وكان شعارهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وكذا قولهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَاعِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] .
فتبين باليقين القاطع أن تسويتهم معبوداتهم برب العالمين، إنما هي في المحبة والتعظيم والتوجه والقصد، وطلب الشفاعة والواسطة.
فالقرآن حق كله، وأحسن وأعلى وأغلى ما فسر به القرآن القرآن.
الثاني: أن اتخاذ الشفعاء ودعاء المقبورين طلبًا لشفاعتهم شرك وهو عين شرك الجاهلين، وشركهم كان في الألوهية في التسوية بين الله وبين خلقه في التوجه والقصد طلبًا للشفاعة والدعاء والتسبب، وقول صاحب
[ ١٢٦ ]
المفاهيم: " إن هذا سبب" كذب على الشرع، فإن الله لم يجعل هذا سببًا لقبول الدعاء ولا أمر به ولم يشرعه لعباده.
ومن توجه إلى كتاب الله وتفقه فيه وتبصر بآياته وما أخبر الله فيه عن عقائد المشركين وعقائد الموحدين، وأحوال الرسل مع أقومهم وما يتصل بذلك من بيان التوحيد والشرك فإنه من المهتدين حقًا.
وسيقوم بقلبه من محبة الله وتوحيده، وتعظيمه وطاعته ما به يصل برحمة الله إلى اليقين في الدنيا، والجنة والنعيم في الآخرة.
اللهم! يسر لنا أسباب ذلك منة منك وتكرمًا.
قال صاحب المفاهيم ص٢٥:
"وإذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم " اهـ.
أقول: يعني بهذا أن من قال للنبي ﷺ بعد موته: أستغيث بك يا رسول الله! إذا كان القائل موحدًا فيجب حمله على المجاز العقلي، إذ لا يعقل استغاثة موحد بالأموات على سبيل الاستقلالية عند الكاتب.
بل المعنى الذي طلبه المستغيث هو التسبب، وهذا المعنى كثير وروده في كتاب " مفاهيم يجب أن تصحح "، والحق ينبني على أن هذه المقدمات والأمور التي يعلل بها للمستغيثين باطلة مقدماتها، وباطلة نتائجها، وكشف ذلك يتم بأمرين:
الأول: أن يقال: ومن قال إن المستغيث والداعي إذا قصد التسبب لا يكفر، بل القرآن لما كشف حال العرب أعلم أنهم لم يكن شركهم إلا بقصد التسبب لا الاستقلالية، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّوَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، أي: وما يؤمن أكثرهم بأن الله هو خالقهم وما يعملون، وهو المحيي المميت، وأنه الذي يجير ولا يجار عليه إلا
[ ١٢٧ ]
وهم مشركون به في اتخاذ الأصنام وسائط، واتخاذ الأرواح التي صورت على أجسام أصحابها الأصنام سببًا لتحصيل مقصودهم فيما يزعمون.
أفلا ترى إلى أنهم إذا أيقنوا بالهلاك في البحر أخلصوا الدعاء لله، فلم يتخذوا وسيلة إليه من المخلوقين كما يفعلونه في الرخاء؟ فعلم من ضد أحوالهم وبنصّ القرآن أن أولئك المشركين ما كانوا يعتقدون الاستقلالية، بل كانوا يعتقدون التسبب بما لم يجعله الله سببًا ولم يأذن به، فلم لم يحتج لهم بالمجاز العقلي؟ ! ولم كفروا بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وهم إنما جعلوهم سببًا لتقريبهم إلى الله زلفى؟ !
الثاني: أن تخريج أقوال عباد القبور -المستغيثين بالموتى، الداعين إياهم ليشفعوا لهم عند ربهم، المحبين أصحابها أعظم من محبتهم لله- على المجاز العقلي منكر كبير، وخطأ عظيم مخالف لحقيقة حالهم؛ ذلك أن كثيرًا يعكفون على قبور الميتين ويعتقدون أن لصاحب القبر تصرفًا في الكون، وأنه يفعل ما شاء مطلق التصرف١ بإعطاء الله له، وهذا كفر أعظم من كفر اعتقاد التسبب، وهذا لم يخطر على أذهان الجاهلين من العرب، ولذا تجد هؤلاء المشركين المعاصرين ينادون معبودهم، ويستتغيثون به ولو كانوا بعيدين عنه بعدًا كبيرًا، لاعتقادهم بأن له قوة أكبر من قوتهم البشرية، أعطاه الله إياها، وفوض له إصلاح شؤون طائفة من الخلق، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
_________________
(١) ١ ونقل موسى محمد علي في كتابه " التوسل والوسيلة " ص ٢٢٩ عن محمد عبد الله الشكاز قوله الآتي مستحسنًا له مستسهدًا به، فال: " الرجال أربعة: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، وهم رجال الظاهر شهداء الجهاد البواسل، و﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وهم رجال الباطن، جلساء الحق تعالى ولهم المشورة. . . ثم قال: فرجال الظاهر هم الذين لهم التصرف في عالم الملك والشهادة" اهـ.
[ ١٢٨ ]
ومن سمع أقوال المستغيثين بأصحاب القبور علم أنهم يعتقدون أن لهم شيئًا من التصرف والاستقلالية، وهو كفر فوق كفر التسبب والواسطة.
قال أبو الفضل الشهاب الألوسي في تفسيره " روح المعاني " (٦/١١٥): "ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب، ويسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير أو دفع الأذى وإلا لما دعاه، ولما فتح فاه، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ".
فالألوسي يبصر عبدة القبور المستغيثين بأصحابها، ويعرف ما يدور بخلدهم من كثرة ما يراهم، وعلى مثل حال من ذكر كثير من الذين يصرفون وجوههم إلى غير الله.
وقد وقع في هذا صاحب المفاهيم حيث قال ص٩١ في وصف نبي الله ورسوله محمدٍ ﷺ: " فإنه حي الدارين، دائم العناية بأمته، متصرف بإذن الله في شؤونها، خبيرٌ بأحوالها. . . " اهـ، فإنه يُلْمِح ويشير إلى ذلك المعنى الذي عليه عبدة القبور، من اعتقاد تصرف المقبورين من الأنبياء والصالحين بشؤون الناس.
قال صاحب المفاهيم ص٩٥:
"فالقائل: يا نبي الله اشفني واقض ديني، لو فرض أن أحدًا قال هذا فإنما يريد: اشفع لي في الشفاء، وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني، فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه من الدعاء إياه من الدعاء والتشفع.
وهذا هو الذي نعتقده فيمن قال ذلك، وندين الله على هذا، فالإسناد في كلام الناس من المجاز العقلي الذي لا خطر فيه على من نطق به" اهـ.
[ ١٢٩ ]
أقول:
أولًا: ومن قال إن الدعاء والشفاعة يملكها ويقدر عليها من حياته برزخية نبيًا كان أو غيره؟ فهذه قالة فاسدة يقينًا.
وقد فصلت في موضعٍ آخر حكم الواسطة، وكذا حقيقة الشفاعة، وكيف تطلب، فيراجع في محله.
الثاني: أن هذا القول فيه من الزعم على الإطلاع على قلوب عباد القبور شيء كثير، وكأنما صاحب المفاهيم كفيل بكل من دعا أصحاب القبور أن يدافع عنهم! وكان قصارى ما يجب عليه إنصافًا وعدم مكابرة أن ينسب ذلك إلى اعتقاده هو نفسه، وإلا فقلوب الناس لا سبيل إلى معرفة حقيقة ما فيها.
الثالث: أن من نتائج هذا القول السيئ إلغاء أقوال الفقهاء في باب حكم المرتد، إذ كل من صدر منه قولٌ شركي وكفري سيخرج من عهدته بالمجاز العقلي.
فهؤلاء المنافقون في عهد رسول الله ﷺ حين قالوا في غزوة تبوك: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء" فنزل فيهم قول الله جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦] الآيات، أخرجه ابن أبي حاتم بإسنادٍ حسن، وأخرجه ابن جرير وغيره.
فلمْ يعذرهم عن استهزائهم، ولا قبل منهم، ولوكانوا في هذا الزمان لخرّج أصحاب المجاز العقلي قولهم، ولم يكفروهم، وكذا من قال من الزنادقة: الشيطان ربي، أو الحلاج إلهي، أو الولي الفلاني مطلع على
[ ١٣٠ ]
سري، أفيقول فقيه: إن كان موحدًا حمل قوله على: الشيطان عصى ربي، والحلاج أضله إلهي، أو رب الولي الفلاني مطلع سري؟ !
هذا ما لم تحم حوله أقوال فقيه، ولا خرَّجها مخرج، ولا اعتذر عنهم بذلك معتذر، ولو أجيز ذلك لسمعت الأقوال الكفرية الشركية صباح مساء من الفسقة والمنافقين، ولطعنوا جهارًا في الدين، ثم إذا أتت الأمور عند الحاكم أحال كل منهم على المجاز العقلي، وخَرَجَ من عهدة الشرك.
أفيقول بهذا حاكم؟ ! أم يتسيغه مفتٍ؟ ! أم يقول به طالب علم؟ ! أم يفوه به منتسب لأهل العلم؟ ! إن قبل هذا قابل فأبشر بعزةٍ لدين الزنادقة، وتولٍ لدين الموحدين، دين رب العالمين، ثم أبشر بكل شر.
أفيجوز بعد هذا أن يحتج محتج بالمجاز العقلي الحادث؟ ! فهذا مذهب المالكية في الردة لا يقبل المجاز العقلي، فمن ذلك ما قاله الدردير في " شرحه الصغير " (٦/١٤٤) وما بعدها: " الردة: (كفر مسلم) متقرر إسلامه بالنطق بالشهادتين مختارًا، يكون:
(بصريح) من القول: كقوله أشرك بالله.
(أو قول يقتضيه) أي: يقتضي الكفر، كقوله: جسم كالأجسام.
(أو فعل يتضمنه) أي: يستلزمه لزومًا بينًا ".
ثم قال في حكم من سبّ نبيًا (٦/١٥٤):
" (ولا يعذر) الساب (بجهل)؛ لأنه لا يعذر أحد في الكفر بالجهل، (أو سَكْرٍ) حرامًا (أو تهور): أي كثرة الكلام بدون ضبط.
ولا يقبل منه سبق اللسان (أو غيظ) فلا يعذر إذا سب حال الغيظ بل يقتل إلخ (أو بقوله: أردت كذا) فلا يقبل منه ويقتل" اهـ.
فانظر إلى عدم الاعتداد بقوله: أردت كذا، وهو عين المجاز العقلي، الذي يزعمه الزاعمون.
[ ١٣١ ]
وفي " شرح الشيخ عليش على مختصر خليل " (٤/٤٧٧) قال: " (و) سب لـ (تهور) أي: توسع ومبالغة (في) كثرة (كلامه) وقلة مراقبة وعدم ضبطه وعجرفته، فلا يعذر بالجهل ولا بدعوى زلل اللسان " اهـ.
وعند الحنفية من التكفير بمجرد القول ما يطول، وقد اختلفوا في قول القائل من الخطباء في ألقاب السلطان: العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله، حكى ابن نجيم في " البحر الرائق " (٥/١٢٤) الخلاف في كفره، والموحد ظاهر مرادُه، وأنه لا يعني بمدحه السلطان، إضافة هذه الأشياء له حقيقة، بل إنما يعني به الإسناد المجازي، وهو المجاز العقلي، فلم يمنع ذلك من حكم بعضهم بكفره.
ومقصودنا التمثيل لا التتبع، وبما ذكرنا يبطل تبرير الأقوال الشركية والكفرية بالمجاز العقلي.
[ ١٣٢ ]
فصل:
قال صاحب المفاهيم ص ١٦:
" ولا شك أن المجاز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة" انتهى.
أقول: قال القزويني في " الإيضاح في علوم البلاغة " ص ٢٨-٢٩ بعد سياق حد المجاز العقلي وأمثلته: " واعلم أنه ليس كل شيء يصلح لأن تتعاطى فيه المجاز العقلي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر تحتاج إلى أن تهيء الشيء، وتصلحه له".
ثم قال: "وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام" اهـ.
وهذا الكلام من شيخ البلاغة القزويني يبطل أن تبرر أقوال عبدة القبور بالمجاز العقلي، إذ استعماله وتعاطيه ليس سهلًا، خاصة في الأمور الشرعية، وأعلاها الكفر والإيمان.
وأما في قول أديب أو شعر شاعر فيتعاطى مع شيء من العسر، والسكاكي وهو من هو أنكر وجوده في الكلام، وهو وإن كان يسميه تسمية أخرى، فإخراج التسمية يبعد شيئًا من تطبيقاتها.
وما من شك في أن أولئك المستغيثين بعباد الله الصالحين ممن وارتهم القبور لم يحم حول خاطرهم معنى المجاز العقلي، بل ولا عرفوه ولا سمعوا به والقول بالمجاز العقلي عند من أجازه مقترن بقصد المتكلم به، أما من لم يحم حوله له بال فما يخرج قولهم عليه.
وقد اختلف العلماء في وقوع المجاز أصلًا في اللغة، وفي القرآن، فنفى جماعة من محققي العلماء وقوعه في اللغة: منهم أبو إسحاق الإسفرائيني،
[ ١٣٣ ]
وأبو علي الفارسي، قال: إنه لا مجاز في اللغة أصلًا، أفاده ابن السبكي في " جمع الجوامع " من كتب الأصول.
ونصر هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة شمس الدين ابن القيم في " الصواعق " وغيرهما.
قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز " ص٧:
" ثم إن القائلين بالمجاز في اللغة العربية اختلفوا في جواز إطلاقه في القرآن، فقال قومٌ: لا يجوز أن يقال في القرآن مجاز منهم: ابنُ خُوَيْز منداد من المالكية، وابن القاص من الشافعية، والظاهرية. وبالغ في إيضاح منع المجاز في القرآن الشيخ أبو العباس ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، بل أوضحا منعه في اللغة أصلًا.
والذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقًا على كلا القولين" اهـ.
ولا يحسن في مثل هذا المختصر الإطالة بتفصيل الإجمال، ولكن ينبغي أن يعلم أن النافي للمجاز -وهم طائفة من أئمة الأصول والعربية والعقائد- يعنون منع اطراده في كل ما شاء من يجيزه.
فالتوقف عند ما استعملته العرب في مجاري كلامها هو التحقيق، فما استعملته العرب جاز استعماله مما يفيد بسياقه غير ما يفيده بأفراده، أعني: أن تركيب الكلام يفيد ما لا يفيده أفراد الكلام.
فإن استعملت العرب هذا المعنى التركيبي صح استعماله، وهو حقيقة في المعنى المركب، لا في المعنى الإفرادي، ومن أراد أن لا يفرق بين ما استعملوه مركبًا وما استعملوه في وضعه الأول، فسيعكر عليه ذلك نصوص كثيرة.
[ ١٣٤ ]
فما يسميه المجيزون مجازًا هو عند النافين أسلوب من أساليب اللغة العربية، واللغة العربية كلها حقيقة، والحقيقة تكون لفظية أي: يدل اللفظ على معناه بمفرده، وتكون تركيبية أي: تدل الألفاظ على معناها بتركيبها.
والفرق بين هذا وبين القول بالمجاز: أن المجاز أعم، وقول المحققين أخص، فالمدعون للمجاز يجوزون عباراتٍ وأساليب لم تعهدها العرب في كلامها، بتقدير محذوفاتٍ في الكلام وتقدير نسبٍ لا ضابط لها.
والعقل ليس أصل اللغة جزمًا، بل أصل صحة الاستعمال السماع، فما جاء عنهم مستعملًا في موارده قبل، وسمي: حقيقة، وما لم يستعملوه فلا يستعمل في دلالات الألفاظ ومفرداتها، ولا في قواعدها وأبنيتها.
والمسألة معروفة مشهورة، ولا تحتمل أكثر من هذا في مثل هذه الردود المختصرة.
[ ١٣٥ ]