التبرك
تقول: تبرك يتبرك تبركًا. مأخوذ من البركة.
قال أبو منصور في " تهذيب اللغة " (١٠/٢٣١): "وأصل البركة: الزيادة والنماء ".
فالبركة: زيادة ونماء في شيءٍ يريده المتبرك في تبركه بما تبرك به. وهذه الزيادة والنماء قد تكون في أمكنةٍ، وقد تكون في ذوات، وقد تكون في صفاتٍ، هذا على مقتضى ورودها اللغوي، وأما الشرعي فيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء الله.
ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠]، وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقوله: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، وقوله: ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩] .
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، وقوله تعالى في قصة نوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: ٤٨] .
ومن الثالث قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وإذا تدبرت كتاب الله العزيز وجدت أنه يدل
[ ٢١٥ ]
على أن البركة من الله، وتُطلب منه ﷾ وحده، وهو يضعها فيمن شاء من خلقه، وفي ما شاء من بريته.
قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، وقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، والآيات الواردة بلفظ (تبارك) كثرة.
ولفظ ﴿تَبَارَكَ﴾ لم يرد في كتاب الله إلا مسندًا إلى الله، وهي صيغة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة، وأكثرها نفعًا، وأعمها متعلقًا وأثرًا. فالبركة لله، والله -﷾أخبر أنه أعطى بركة لأصنافٍ من خلقه:
فمن ذلك:
١ -الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣]، وقال في إبراهيم وأهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقال في نوح: ﴿اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨]، وقال عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم: ٣١] .
٢-ومن ذلك وضعه البركة في أماكن العبادة كالمسجد الأقصى، والمسجد الحرام، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾
[ ٢١٦ ]
[الإسراء: ١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] .
٣- ومن إخباره عن ما أنزله من الذكر أنه مبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُمُ نكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وهذا الذكر هو القرآن العظيم كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] .
فالقرآن الحكيم ذكر مبارك، وتدبر آياته عمل مبارك، ومن هذا التدبر علوم القرآن، والسنة مبينة لمجمل القرآن، وهي مباركة، واتباع القرآن والسنة مبارك، وعلومهما الناشئة عن تدبر آيات الكتاب وفقه السنة علوم مباركة.
هذه أنواع ثلاثة فيها بركة خاصة، دل عليها الذكر الحكيم، وهناك بركة عامة، لها أنواع أيضًا:
فمن ذلك:
١- أن المطر مبارك لما يحصل به من زيادة في معايش الناس وزروعهم، ونماء في ذلك، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩] .
٢- ومن ذلك مباركته تعالى في الأرض كما قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠]، وقوله: ﴿مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧] .
٣- ومن ذلك مباركته تعالى ما يأتي من السماء وما يخرج من الأرض، كما قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ
[ ٢١٧ ]
مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فهذه وأشباهها، مباركة عامة يحصل بها النفع والخير، والنماء والزيادة.
ولعله يظهر أن البركة الخاصة اللازمة لذاتٍ -دون المكان والصفة -تكون متعدية يحصل التبرك بأعيانها لما فيها من البركة اللازمة الدائمة بالذات.
وأما البركة الخاصة بمكان العبادة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي، فإن البركة لا تكون متعدية بأجزاء المسجد، فلا يتمسح بأعمدة المساجد ولا جدرانها بإجماع المسلمين، والمساجد مباركة، فعلم أن بركتها معناها زيادة ونماء في ما يحصله العابد من الخير، فالمسجد الحرام صلاة فيه بمئة ألف صلاةٍ فيما سواه، والمسجد النبوي بألف صلاة.
وهذا نحو بركة الرسل -صلوات الله عليهم- فإنها في أحد قسميها بركة اتباع عمل، فالمتبع لسنتهم المهتدي بهديهم يحصل له نماء وزيادة في ثواب عمله بسبب اتباعهم، فهذه معنى البركة الخاصة بقسميها، بخلاف المباركة العامة فإنها قد تحصل في وقتٍ دون وقت، أو في نوع دون نوع، فمما هو بَيَّن أنه ما كل ما جاء من السماء وخرج من الأرض يكون مباركًا دائمًا، بل إعطاؤه البركة من الله متعلق بأمورٍ أخرى، إن وجدت أعطي البركة، وإن انتفت زالت البركة، فهي بركة عامة من حيث ظرفها، خاصة من حيث وقتها، غير لازمة للشيء، إذا تقرر هذا، فالبركة في مواردها من الكتاب والسنة قسمان:
الأول: بركة ذات، وأثرها أن يكون ما اتصل بتلك الذات مباركًا، وهذا النوع للأنبياء والمرسلين لا يشركهم فيه غيرهُم، حتى أكابر أصحاب النبي ﷺ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي لا يشركونهم في هذه البركة.
[ ٢١٨ ]
ولا يعتدى أثر بركة الأنبياء إلا لمن كان على ما دعى به سائرين، وبعمله مقتدين، وبأمره ملتزمين وعن نهيه منتهين، ولذا فصحابة رسول الله ﷺ لم تتعهد إليهم بركته في معركة أحد حين خالفوا أمره وعصوه.
وهذا النوع من تعدي البركة قد انقطع بعد موت النبي ﷺ إلا ما كان من أجزاء ذاته باقيًا بيقين بعد موته أحد، وقد ذهب ذلك المتيقن مع انقراض قرن الصحابة -﵃-.
الثاني: بركة عمل واتباع: وهي عامة لكل من وافق عمله سنة النبي ﷺ فكل مسلم فيه بركة عمل مقدرة بقدر اتباعه وموافقته لأمر الله ونهيه، بالإتمار بالأمر، والانتهاء عن النهي.
ولذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في " صحيحه " (٩/٥٦٩) في النخلة: " وإن من الشجر لما بركته كبركة المسلم ".
فكل مسلم بركة بقدره، وليست هي بركة ذات، معلوم هذا باليقين وما ادعاه مدع، وإنما هي بركة عمل.
وفي الصالحين من عباد الله المتبعين بركة عمل واتباع بقدر ما فيهم من مقتضيات تلك البركة، فالعالم بالسنة له بركة علم، والحافظ لكتاب الله الواقف عند حدوده فيه بركة من أثر ذلك، وهكذا.
وإن أعلى الصالحين بركة أشدهم اتباعًا لدين الإسلام، ومحافظة على واجباته، ومباعدة عن محرماته، ومن المحرمات أفعال القلوب، فكم من مبتعد عن محرمات الجوارح، خائض في محرمات القلوب، ولا يبالي.
وبهذا تجتمع النصوص، فما كان من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فهو مما اجتمع فيه نوعي البركة، وما كان من غيرهم فهم مما بورك فيهم بركة عمل وعلم واتباع، ولذا تجد أثر هذه البركة لا يتعدى إلا بالأعمال، لا بالذات ولا بأجزائها.
[ ٢١٩ ]
ولذا قال أُسيد بن حُضير في سبب مشروعية التيمم: " لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر" أخرجه البخاري في " التفسير " من صحيحه.
واللفظ المروي عند الشيخين البخاري ومسلم: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر" ومعنى اللفظين واحد، ومعلوم أنه ما كان أسيد ولا غيره يبتغي من أبي بكر أو آله بركة ذاتٍ كما كانوا يفعلونه مع النبي ﷺ، من التبرك بشعره ونحوه، وإنما هي بركة عمل هو الإيمان والتصديق والنصرة والاتباع.
ومن ذلك ما قالته عائشة -﵂- لما تزوج النبي ﷺ جويرية بنت الحارث قالت: " فما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها" أخرجه أحمد في " المسند " (٦/٢٧٧)، وأبو داود في " السنن " بإسناد جيد.
فهذه بركة عمل لتزوج النبي ﷺ بها، فكان أن سبب ذلك عتق كثير من قومها.
التبرك بالنبي محمدٍ ﷺ:
إن النبي محمدًا ﷺ مبارك الذات، مبارك الصفات، مبارك الأفعال، وهذه البركة فيه ﷺ متحققة في ذاته وصفاته وأفعاله.
فقد ثبت عن بعض صحابة رسول الله ﷺ أنهم كانوا يتبركون بأشياء منفصلة عن بدنه كالشعر، والوضوء، والعرق وغير ذلك، مما جاءت به الأحاديث الصحيحة، في الصحيحين وغيرهما.
فله ﷺ من أنواع البركة أعلى ما يهبه الله بشرًا من رسله، وأجزاؤه ﷺ تتعدى بركتها، ويجوز التبرك بها، كما فعلت جماعة من الصحابة.
وأما آثاره المكانية كمكانٍ سار فيه، أو بقعةٍ صلى فيها، أو أرض نزل بها فلم يعرف دليل شرعي يومئ أو يشير إلى أن بركة بدن الرسول ﷺ
[ ٢٢٠ ]
قد تعدت إلى هذا المكان، فيكون مباركًا يشرع التبرك به، ولذا لم يكن يفعل هذا صحابته في حياته ولا بعد مماته.
فما سار فيه رسول الله أو نزل فيه فلا يجوز التبرك به؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البقاع التي لم يشرع لنا تعظيمها، ووسيلة من وسائل الشرك، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا.
قال المعرور بن سويد الأسدي؛ خرجت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهبًا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟
قيل: يا أمير المؤمنين! مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ هم يأتون يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم، فيتخذونها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض، ولا يتعمّدها. أخرجه سعيد بن منصور في " سننه "، وابن أبي شيبة في " المصنف " (٢/٣٧٦)، ومحدث الأندلس محمد بن وضاح القرطبي في " البدع والنهي عنها " ص ٤١، بإسناد صحيح.
فهذا قول الخليفة الراشد، الذي قال رسول الله ﷺ: " إن الله -﷿- جعل الحق على قلب عمر ولسانه " أخرجه أحمد (٢/٩٥) عن ابن عمر بإسنادٍ صحيح، ورواه من طريق أخرى عن ابن عمر (٢/٥٣)، ورواه أحمد (٥/١٤٥)، وأبو داود (رقم٢٩٦٢) عن أبي ذر، ورواه أحمد (٢/٤٠١) عن أبي هريرة ورواه جمعٌ١ عن هؤلاء وغيرهم من الصحابة.
ولا شك أن قول عمر السالف في النهي عن تتبع الآثار من الحق الذي جعله الله على لسان عمر ﵁. قال ابن وضاح ﵀ ص٤٣:
_________________
(١) ١ من أصحاب الكتب الستة كالترمذي وابن ماجه وغيرهم كأبي يعلى والحاكم والطبراني.
[ ٢٢١ ]
" وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ، ما عدا قباء وأحدًا" ١.
قال ابن وضاح: " فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمرٍ هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقربٍ إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة" اهـ.
فانظر إلى كلامه المتين: وكانت وفاة ابن وضاح سنة ٢٨٦ هـ.
فالمقصود من هذا أن السلف سلف الأئمة كانوا ينكرون التبرك بالآثار المكانية، وينكرون تحريها والتعلق بها رجاء بركتها، ولم يخالف في ذلك إلا ابن عمر -﵄- فقد كان يتتبع الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﷺ، فيصلي حيث صلى، ونحو ذلك.
وما نقل نقل مصدق عن غير ابن عمر من الصحابة أنه كان يفعل مثل ما فعل ابن عمر في الآثار المكانيّة.
وابن عمر ما كان يطلب بركة المكان، ولكنه يطلب تمام الاقتداء بكل ما فعله رسول الله ﷺ في جميع أحواله، حتى إنه أراد الصلاة في كل مكانٍ صلى فيه رسول الله ﷺ، وكان يتتبع ذلك ويعلمه، وما كان فعله -فيما يظهر- قصدًا للتبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون، وإنما قصد تمام الاقتداء، ولم يفعله غيره من صحابة المصطفى ﷺ، ولم يوافقوه، بل إن أباه نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر -﵁- ولا شك أن
_________________
(١) ١ وفي نقل الاعتصام عنه: ما عدا قباء وحده.
[ ٢٢٢ ]
الصواب، والحق مع عمر -﵁- وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع، الفاصل عند النزاع، والله أعلم.
التبرك بذوات الصالحين:
قد تقدم أن بركة الذوات لا تكون إلا لمن نص الله على إعطائه البركة كالأنبياء والمرسلين وأما غيرهم من عباد الله الصالحين فبركتهم بركة عملٍ، أي: ناشئة عن علمهم وعملهم واتباعهم لا عن ذواتهم، ومن بركات الصالحين: دعاؤهم الناس إلى الخير ودعاؤهم لهم ونفعهم الخلق بالإحسان إليهم بنيةٍ صالحة ونحو هذا.
ومن آثار بركات أعمالهم ما يجلب الله من الخير بسببهم ويدفع من النقمة والعذاب العام ببركة إصلاحهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] .
وأما أن يعتقد أن ذواتهم مباركة، فيتمسح بهم، ويشرب سؤرهم وتقبل أيديهم للبركة دائمًا ونحو ذلك، فهو ممنوع في غير الأنبياء لأوجه:
الأول: عدم مقاربة أحدٍ للنبي ﷺ فكيف بالمساواة في البركة والفضل؟ !
الثاني: أنه لم يرد دليلُ شرعي يدل على أن غير النبي ﷺ مثلُه في التبرك بأجزاء ذاته، فهو خاص به كغيره من خصائصه.
الثالث: ما قاله الشاطبي -﵀- حين تعرض لقياس غير النبي عليه بجامع الولاية، قال في كتاب " الاعتصام " (٢/٦-٧): " إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة -﵃لم يقع من أحدٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق -﵁- فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر رضي الله
[ ٢٢٣ ]
عنه، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم كذلك عثمان ثم علي ثم سائر الصحابة، الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحدٍ منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها١، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي ﷺ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء" اهـ.
وكذا لم يفعلوا ذلك مع الحسن والحسين -﵄- ولا فاطمة -﵃ أجمعين-، فالبركة الذاتية لا تنتقل بالنطفة، خلافًا لمن زعم غير ذلك من غلاة الرافضة، ومن تبعهم من مقلدة وغيرهم.
الرابع: أن سد الذرائع قاعدة من قواعد الشريعة العظيمة قد دلّ عليها القرآن العظيم في مواضع، وفي السنة شيء كثير يقارب صحيحه المئة، ولعلّه لهذا لم يسلسل التبرك بذوات الصالحين، إنما اختص به الأنبياء.
الخامس: أن فعل هذا النوع من التبرك مع غيره ﷺ لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه نفسه فيورثه العجب والكبر والرياء وتزكية نفسه، وكل هذا من محرمات أفعال القلوب.
_________________
(١) ١ يعني التبرك بالعرق والشعر والوضوء ونحو ذلك.
[ ٢٢٤ ]
فصل
قال صاحب المفاهيم ص ١٥٦ بعد أن ساق آثارًا وأحاديث فيها تبرك بعض الصحابة بذات النبي ﷺ أو بعض أجزاء ذاته، قال:
" والحاصل من هذه الآثار والأحاديث هو أن التبرك به ﷺ وبآثاره وبكل ما هو منسوب إليه سنة مرفوعة، وطريقة محمودة مشروعة " اهـ.
أقول: في هذا الكلام إجمال سببه عدم التحقيق، وترك تدبر النصوص، فصاحب المفاهيم لم يفرق بين التبرك بذاته، أو ما انفصل منه، وبين الآثار الأرضية من بقاع صلى فيها، أو جلس فيها.
الأول: كما تقدم بيانه قد فعل بحضرة النبي محمدٍ ﷺ وأقره فهو سنة ومشروع.
الثاني: وهو التبرك بالآثار الأرضية، فليس بمشروع، ولذا لم يستطع صاحب المفاهيم أن يأتي بدليلٍ يصدق عليه دعواه العريضة في قوله: "سنة مرفوعة "، وهذا من عدم التفرقة بين المتفرقات، وترك سبيل المحققين من أهل العلم.
ومما يدل على أن التبرك بالآثار الأرضية غير مشروع ومحدثٌ أمورٌ:
الأول: أن هذا النوع من التبرك لم يكن في عهده ﷺ، ولم ينقل فيه شيء نقلًا مصدقًا، لا بإسنادٍ صحيح ولا حسن ولا ضعيف، فلم ينقل أن أحدًا تبرك في زمانه بأثر له أرضي، وإذا لم ينقل مع توافر الدواعي على نقله، ووجود الهمم على نقل ما هو دونه بكثير: علم أنه لم يكن في زمانه ﷺ وما كان كذلك فإحداثه بدعة، وكل بدعة ضلالة، والبدع يجب النهي عنها ومضادتها.
[ ٢٢٥ ]
وهذا ما أرشد الخليفة الراشد إلى النهي عنه، وعن تتبع الآثار الأرضية، كما مَرّ في ما رواه المعرور بن سويد الأسدي.
الثاني: أن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، وإلا لزم أن يكون كل أرضٍ وطئها، أو جلس عليها، أو طريق مر بها، تطلب بركتها، ويتبرك بها. وهذا لازم باطل قطعًا، فانتفى الملزوم، وهذا جلي لمن تأمل اتساعه وتسلسله.
الثالث: أن طلب التبرك بالأمكنة الأرضية خلاف سنة الأنبياء جميعًا قبل نبينا محمد ﷺ فلم يتحروا الآثار الأرضية للأنبياء قبلهم، ولا أمروا بتحريها، وكل ما كان خلاف ذلك فهو مما أحدثه الخلوف -الذين يفعلون ما لا يؤمرون- بعد أنبيائهم حين صعبت عليهم التكاليف الشرعية، فرغبوا في التعلق لغفران الذنوب وزيادة الحسنات بالتبرك المبتدع بالآثار المكانية؛ ولذا قال عمر: "إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم"، وقد سبق تخريجه.
الرابع: أن الأمكنة الأرضية لا تكون مباركة إلا بدوم الطاعة فيها، وهي سبب إعطاء الله البركة، فالمساجد مباركة لذلك، وبركتها لا تكون مع زوال الطاعات عنها.
فمما يمثل به على هذا: أن المساجد التي غلب عليها الحربيون وصيروها كنائس زالت عنها بركة المسجد التي كانت حين كان يطاع الله فيه، وبعد أن أحدث فيها الشرك وتعبد فيها بغير شريعة الإسلام، فالبركة تنتزع، وهذا مما لا منازع فيه ولا مجادل.
الخامس: أن التبرك بالآثار المكانية وسيلة إلى ما هو أعظم: من تقديسها والاعتقاد فيها، ولا غرو، فقد قال الإخباريون عن أولاد إسماعيل ﷺ: أنهم " ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش.
[ ٢٢٦ ]
وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة"١.
وما كان هذا شأنه فمنعه أوجب، إذ الوسيلة إلى ما ليس بمشروع ليست بمشروعة سدًا للباب، وقطعًا للذريعة.
إن السلامة من سلمى وجارتها
أن لا تحلَّ على حالٍ بواديها
السادس: أن تعظيم الرسول ﷺ والتماس بركته وتحريها يكون بما بقي اليوم من نوعي البركة وهي بركة الاتباع، والعمل بسنته، وجهاد أعداء سنته، والمخالفين لأوامر شرعه، والمنافقين الذي فتنوا الناس وأضلوهم، وبهذا رغب السلف من التابعين وأئمة الهدى، الذين حققوا محبة رسول الله ﷺ فنالهم من بركة اتباعه ما أذن الله فيه، وتركوا عدا هذا من التبرك بالآثار الأرضية، فعلم من هذا أن ما تركوه غير معروف عندهم، ولا هو بمشروع.
وفي هذه الأمور لطالب الهداية والتوفيق مقنع، وللراغب في سداد القول والعمل منجع، وإن الحق لأحق أن يتبع، والحمد لله الموفق للصالحات.
وقال صاحب المفاهيم ص ١٥٦:
" وبالنصوص التي نقلناها، يظهر كذب من زعم أن ذلك ما كان يعتني به ويهتم بفعله أحد من الصحابة إلا ابن عمر، وأن ابن عمر ما كان يوافقه على ذلك أحد من أصحاب الرسول ﷺ وهذا جهل أو كذب أو تلبيس.
فقد كان كثير غيره يفعل ذلك ويهتم به، ومنهم: الخلفاء الراشدون -﵃- وأم سلمة، وخالد بن الوليد، وواثلة بن الأسقع، وسلمة
_________________
(١) ١ الأصنام ص ٦، ولم أسقه للاستدلال، وإنما لبيان ما قيل في حالهم.
[ ٢٢٧ ]
ابن الأكوع، وأنس بن مالك، وأم سليم، وأسيد بن حضير١ وسواد بن غزية، وسواد بن عمرو، وعبد الله بن سلام، وأبو موسى، وعبد الله ابن الزبير، وسفينة مولى النبي ﷺ وسرة خادم أم سلمة، ومالك بن سنان، وأسماء بنت أبي بكر، وأو محذورة، ومالك بن أنس وأشياخه من أهل المدينة كسعيد بن المسيب، ويحيى بن سعيد" انتهى.
أقول: لن أطيل القول في تخريج ما نسبه إلى هؤلاء الصحابة والتابعين، ولكن هنا أمور:
الأول: أن اتهام صاحب المفاهيم من قال بتفرد ابن عمر بالاهتمام بالآثار المكانية بالكذب ثم بالجهل والكذب والتلبيس، من سيئات المقال، وفضائح الأحوال، إذ ما كان يظن بالصغار أن يكذبوا الكبار من أئمة الحديث والفقه والدين الذين قالوا بتفرد ابن عمر.
الثاني: أن هذا القول نسبتُهُ إلى الجهل أحق، إذ من لم يفرق بين البركة الذاتية، والآثار المكانية فخليق باطراح قوله.
الثالث: أن من أورد أسماءهم إنما رُوي عنهم التبرك بآثاره ﷺ الذاتية الباقية بعد وفاته ﷺ والعرق والجبة والرداء وما شاكل ذلك على القول بصحته، وإلا فعند التحقيق فلا يصح منه إلا شيء قليل.
فلِمَ يُكذَِّب من يقول بالفرق وهو الحقيق بالنظر الصحيح، والقول المنيع؟ ! أما من لم يسبر العلم ورضي منه بحظ أدنى الناس نظرًا ومعرفة فلا وزن لقوله عند أهل العلم.
وهذه التعمية من صاحب المفاهيم ينخدع بها من يحسن الظن به ويثق بعلمه، وتبعتهم يوم القيامة كبيرة ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ [البقرة: ١٦٦] .
_________________
(١) ١ تحرف اسم حُضَير بالحاء المهملة إلى خضير بالخاء المعجمة، فصححته.
[ ٢٢٨ ]
ولا يستطيع صاحب المفاهيم أن ينقل عن غير ابن عمر من صحابة رسول الله ﷺ تبركه بالآثار المكانية، بسندٍ صحيح أو حسن.
الرابع: نسبته ذلك للإمام مالك إمام المدينة وعالمها ليست صحيحة، فمالك -﵀- كان ينهى عن تتبع الآثار المكانية، وينقل مالك هذا عن أعلام التابعين المدنين، وفي كتب أصحاب مالك من هذا نصوص، منها: ما قاله محدث الأندلس ابن وضاح ص ٤٣ في كتابه " البدع والنهي عنها " قال: " وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ، ما عدا قباءً وأحدًا " اهـ.
فما للذي ينتسب لمذهب مالك لا يكون مالكيًا في هذه المسائل، سلفيًا كما كان مالك ﵀ رحمة واسعة؟ !
[ ٢٢٩ ]
فصل
في معنى الانتساب إلى السلف والسلفية
المسلمون صنفان: سلفيون، وخلفيون.
أما السلفيون: فهم أتباع السلف الصالح.
والخلفيون: أتباع فهوم الخلف، ويسمون بالمبتدعة، إذ كل من لم يرتض طريقة السلف الصالح في العلم والعمل، والفهم والفقه فهو خلفي مبتدع.
والسلف الصالح: هم القرون المفضلة، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم صحابة رسول الله ﷺ الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] الآية. وأثنى عليهم رسول الله بقوله: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ".
وتتابعت أقوال الصحابة أنفسهم، والتابعين لهم بإحسانٍ على الثناء على مجموعهم، والاقتداء بمسالكهم.
قال ابن مسعود -﵁-: " من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " وهذا أمر مجمع عليه بين أهل السنة، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، وإذا كانوا على مثل هذا الفضل العظيم فلا غرو أن
[ ٢٣٠ ]
يتشرف المسلم بالانتساب إلى طرائقهم في فهم الكتاب والسنة، وتفسيرهما، وعملهم بالنصوص.
وكانت كل فرقة ضالة من فرق الأمة تستدل لمراداتها ومذاهبها بآياتٍ وأحاديثٍ خلاف فهم السلف لها، وتوسعوا في ذلك حتى كفر بعضهم بعضًا وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، كل ذلك بفهمهم للنصوص حَسبَ ما تدعيه كل فرقة، فأصبحت كل الفرق الزائغة تقول: نأخذ بالكتاب والسنة، فالتبس الأمر على ضعيفي النظر، قليلي العلم.
والمخرج من هذه الدعاوي والأقوال الزائغة هو اتباع نهج خير القرون، فما فهموه من النصوص هو الحق، وما لم يفهموه ولم يعملوا به فليس من الحق.
وهكذا تابعوهم بإحسانٍ ممن تلقوا عن الصحابة الكرام -﵃ أجمعين-، فصار من انتسب إلى منهج هؤلاء الصحابة في فهم الكتاب والسنة، ومن أخذ بما صحت روايته عنهم مرفوعًا إلى النبي ﷺ ومن ترك الآراء العقلية والفهم المحدث صار من هذا نهجة وسبيله سلفيًا، وصار من لم يكن كذلك خلفيًا مبتدعًا، إذ تقرر هذا، فكل مسألة من مسائل العلم لا تخلو من أحد ثلاث أحوال:
الأول: أن يكون الصحابة وتابعوهم قد قالوا بها وعملوا بها جميعًا أو بعضهم ولم يظهر له مخالف.
الثاني: أن يكون عمل بها بعضهم، وخالف فيها بعض آخر وهم أكثر.
الثالث: أن تكون المسألة غير معمول بها عندهم.
أما القسم الأول: وهو أن يكون عمل الصحابة كلهم بالمسألة، أو بعضهم ولم يعرف له مخالف، فلا شك أن هذا هو السنة المتبعة، والنهج الواضح البين، والصراط المستقيم، والمحجة البيضاء، فلا يحل لأحدٍ
[ ٢٣١ ]
مخالفتهم في ذلك، وأمثلة هذا أشهر وأكثر من أن تذكر في العقائد والعبادات.
وأما القسم الثاني: وهو أن يكون قد عمل بها بعضهم، وخالف آخرون، وهم أكثرهم، حيث آثر عامة الصحابة غير ما اختاره ذلك القليل، وعملوا بغير ما عمل، قال الشاطبي في " الموافقات في أصول الشريعة " (٣/٥٧) في وجوب اتباع أكثرهم: " فذلك الغير هو السنة المتبعة، والطريق السابلة، وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلًا، فيجب التثبت فيه، وفي العمل على وفقه، والمثابرة على ما هو الأعم الأكثر، فإن إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل: إما أن يكون لمعنى شرعي، فلا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به، وإذا كان كذلك فقد صار العمل على وفق القليل كالمعارض للمعنى الذي تحروا، وموافقة ما داوموا عليه"١ انتهى.
ثم قال (٣/٧٠-٧١): " وبسبب ذلك ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين، فلا يسامح نفسه في العمل بالقليل، إلا قليلًا، وعند الحاجة ومس الضرورة إن اقتضى معنى التخيير، ولم يخف نسخ العمل، أو عدم صحة في الدليل، أو احتمالًا لا ينهض به الدليل أن يكون حجة، أو ما أشبه ذلك، أما لو عمل بالقليل دائمًا للزمه أمور:
أحدها: المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليها، وفي مخالفة السلف الأولين ما فيها.
_________________
(١) ١ وساق الشاطبي أمثلة، وفي " التوسل والوسيلة " لشيخ الإسلام ابن تيمية من ذلك أمثلة كثيرة.
[ ٢٣٢ ]
الثاني: استلزام ترك ما داوموا عليه، إذ الفرض أنهم داووا على خلاف هذه الآثار، فإدامة العمل على موافقة ما لم يداوموا عليه مخالفة لما داوموا عليه.
والثالث: أن ذلك ذريعة إلى اندارس أعلام ما داوموا عليه، واشتهار ما خالفه، إذ الاقتداء بالأفعال أبلغ من الاقتداء بالأقوال، فإذا وقع ذلك ممن يقتدى به كان أشد.
الحذر الحذر من مخالفة الأولين، فلوكان ثَمَّ فضل ما لكان الأولون أحق به، والله المستعان" انتهى كلام الشاطبي -﵀-.
وأما القسم الثالث: وهو أن تكون المسألة غير معمول بها عندهم، فلا مراء في أن ما خرج عن عملهم كلهم بدعة وشر، إذا كان مما يتقرب به عامله إلى ربه، لا إن كان من العاديات فالأصل فيها الإباحة.
ولذا يقال لكل من عمل عملًا لم يكن على طريقة السلف وفهمهم لنصوص الكتاب والسنة: إنك مبطلٌ مبتدع، مُتَّبعٌ غير سبيل المؤمنين.
وقد يحسَّن المحدثات التي لم يتقرب بها صحابة رسول الله ﷺ أناسُ ينتسبون إلى العلم، في رغبات ونوازع مختلفة، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين، فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك، وعبروا على هذه المسالك: إما أن يكونوا أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون، أو حادوا عن فهمها. وهذا الأخير هو الصواب.
إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها١.
_________________
(١) ١ عن الموافقات للشاطبي (٣/٧٣) .
[ ٢٣٣ ]
والمحدثات أنواع: فمنها الشركي، ومنها البدع التي تجر إلى الشرك، ومنها بدع تقضي على السنن، وهذه المحدثات بأنواعها لم تكن في زمن الصحابة والتابعين مطلقًا، فلا كان في زمنهم قبور يعكف عندها، وتبنى القبابُ عليها، ويستشفع بأصحابها.
ولا كان عندهم توسل بحرمة الأنبياء والصالحين أو جاههم أو ذواتهم، ولا كان عندهم تحرٍ للدعاء عند القبور، ولا كان عندهم هذه الموالد والاحتفالات بمناسبتها، كل هذا لم يكن عندهم بإجماع المسلمين، فإذا كان كذلك فما استدل به الخلف من شبه لتبرير هذه البدع ينقسم ثلاثة أقسام:
الأول: آيات كريمة تأولوها على مراداتهم، محرفين لمعانيها عاسفين لها عسفًا.
الثاني: أحاديث، وهي قسمان:
القسم الأول: أحاديث صحيحة ليست على ما فهموه، ولا توافق مرادهم، وإنما يحرفونها عن معانيها وسياقها.
القسم الثاني: أحاديث واهية أو مكذوبة، وما أكثرها عندهم، وما أشدَّ فرحهم بها، وما أعظم إغلاءهم لها، وما أحبهم لترديدها ونشرها.
الثالث: حكايات ومنامات يتناقلونها، وكأنها من مصادر التشريع.
والمخرج من الاستدلال بالآيات والأحاديث الصحيحة يكون بأمرين:
الأول: أن ما يستدل به المبتدعة ليس هو المعنى المراد، فأهل السنة المتبعون لفهم السلف يفهمون منه غير ما فهمه المبتدعة، فيكون فهمُ الخلف مردودًا بفهم السلف.
الثاني: -وهو فرع الأول- أن يقال: هل عمل السلف الصالح بفهم الخلف لما يستدلون به أم لم يعملوا به؟ والسلف لم يعملوا بهذه المحدثات اتفاقًا، ولن يقدر مبتدع أن يأتي بعمل للسلف مخالف لعمل الصحابة؛ لأن
[ ٢٣٤ ]
أهل السنة متبعون لعمل الأولين من الصحابة والتابعين، بخلاف الخلف الذين يفعلون ما لا يؤمرون.
وفي هذا المعنى ما رُوي عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: "إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله" ١.
ولذا لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحدًا من المختلفين بعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، والشأن والصواب في صحة الاستدلال لا بمجرد الاستدلال.
قال الشاطبي بعد ذكر مجمل هذه المعاني (٣/٧٧):
" فلهذا كله يجب على كل ناظرٍ في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل" انتهى.
إذا تبين هذا وانجلى، وظهر الحق واعتلى، فالذين يصح تشرفهم بالانتساب إلى السلف الصالح يدورون مع هذه المسائل التي ذكرت.
١- فما كان عمل الصحابة به منتشرًا، عملوا به.
٢- وما تفرد به واحد منهم أو أفرادٌ وخالف فيه بقيتهم ردوه إلى الله والرسول ﷺ كما أمرهم ربهم بذلك حيث قال:
﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] .
_________________
(١) ١ رواه الدارمي (١/٤٧)، واللالكائي في " السنة "، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "، وكذا رواه الدارقطني وابن أبي زمنين في " أصول السنة "، ونصر المقدسي في " الحجة على تارك المحجة " وآخرون.
[ ٢٣٥ ]
فأمر بالرد إلى الله وهو الرد إلى كلامه المنزل الحكيم قرآنه العظيم، وأمر بالرد إلى رسوله ﷺ وهو الرد إليه في حياته، وإلى سنته الثابتة الصحيحة بعد وفاته، والنظر للاتباع في عمل الأكثرين.
فلم يظهر بحمد في قاعدتهم إخلال، ولا نابها اضطراب وهي القاعدة البينة، والسبيل النهج الواضح، والصراط المستقيم، وعليها سار الأئمة الأربعة في أكثر فقههم ﵏ وأجزل لهم المثوبة.
٣- وما لم يعمل به أولئك الكرام -أعني صحابة رسول الله ﷺ من أمر العبادات- فهو محدث أحدثه الخلوف.
فما كف الصحابة والتابعون عما كفّوا عنه إلا لنظر سديد، وفهم حميد لأدلة الكتاب والسنة، ولا تركوا ما تركوا ما أحدثه من بعدهم -مع وجود أسبابه عينها التي برَّرَ بها المحدثون محدثاتهم- إلا عن فهم لأمور الشرع، وتركهم سنة متبعة وسبيل مقتفاة.
ولا رغبوا فيما رغبوا عنه مما طلب به الخلوف الأجر والثواب إلا وفِعْل ما رغبوا عنه ليس من الدين، فإنهم أحرص الناس على الخير، وأكثرهم تحريًا لولوج أبواب الطاعات المشروعة، فإنهم لا يتركون مشروعًا إلا وقد أتوه وطلبوا الثواب، وتقربوا إلى الله بعمله.
فما أفقه من اتبعهم في أخذهم وتركهم، وفقههم وعلمهم، وفهمهم وعملهم، وما أحراه بكل خير وقربة، وما أجدره بأن يوفق في أمره كله.
[ ٢٣٦ ]