التكفير
إن من أكبر المسائل التي تصد طوائف عن قبول الحق في مسائل التوحيد وإخلاصه لرب العالمين مسألة التكفير، وتصوير هذه المسألة قولهم:
إن المسلم الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ ويصلي ويقيم الأركان الظاهرة، لا يمكن أن يكفر أبدًا، ويف يكفر وهو قائم بالأركان؟ !
ولا يتصورون أن هناك نواقض للإسلام تبطله وتناقض لا إله إلا الله، بل إن من الناس من يقول: من قال لا إله إلا الله فهو مسلم ولو لم يعمل، فترك العمل ممن قال كلمة التوحيد لا يخرجه عن الإسلام، وهذا المعروف من مذهب المرجئة والماتريدية، ومن تبعهم اليوم من الناس.
وهذان القولان قديمان، ظهرا في العصور الأولى، وليسا جديدين، وأكثر من تشرح وتبين له مسائل إخلاص التوحيد، توحيد الله بأفعال العبيد -من ساقه الشيطان عدو ابن آدم إلى تعظيم الموتى، وطلب شفاعاتهم، ودعائهم، أو سؤالهم العطايا، والغفران، والمعافاة في الأبدان والبلدان- يكبر عليه الحكم على من صرف شيئًا مما ذكرنا للموتى بالشرك الأكبر المخرج من الدين.
ويقولون: أيكفر من نطق بالشهادتين وصلى وصام وزكى وحج؟ !
لا يكفر أبدًا ولو دعا غير الله، ويستدلون بهذه المقدمة الفاسدة على إنكار أن يكون صرف ما ذكر بعضه للموتى شركًا، فيبطل عندهم الحق بالاستدلال العكسي.
[ ١٨٥ ]
وفي هذا الباب بيان الحق في هذه المسألة التي أوغرت الصدور، لعدم نظر المبطلة في الأدلة الشرعية، وكلام أهل العلم في باب الاعتقاد، وكلامهم في باب المرتد.
[ ١٨٦ ]
فصل
وأعظم شروط صحة الإسلام هو إخلاص القلب وتوحيده، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَ الِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ [البينة: ٥] والآيات لا تحصى، بل القرآن كله يدعو ويأمر بالإخلاص، إما بالمطابقة أو بالتضمن أو الالتزام، ومن تدبر هذا وجده كذلك.
وفي السنة من الأمر بالإخلاص، وعدم قبول دين تاركه شيء كثير، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة -﵁- قال: قيل يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: " لقد ظننت يا أبا هريرة! أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، أو نفسه " قال الحافظ في " فتح الباري " (١/١٩٤): " قوله: " خالصًا" احترازٌ من المنافق، ومعنى أفعل في قوله "أسعد" الفعل، لا أنها أفعل التفضيل، أي: سعيد الناس كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ " اهـ كلام الحافظ.
[ ١٨٧ ]
وعن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه " أخرجه النسائي في " الجهاد " (٦/٢٥) وإسناده حسن.
وفي الباب أحاديث عدة، في إخلاص التوحيد والعمل، وبيان أن العمل ما لم يكن خالصًا لا يقبل وهو شرك، وأعظم الأعمال التوحيد، ومن لم يخلص العبادة لله فعمله مردود عليه، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " أخرجه مسلم (٨/٢٢٣) .
والعبادة تارة تكون بالجوارح -والإخلاص أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله- كالصلاة والصيام ونحو ذلك، وتارة تكون قلبية والجوارح مفصحة عن إرادة القلوب.
فإن من الناس من قد يخفي رياءه وشركه، ولا يحب أن يطلع على ذلك الناس، كالمنافقين أظهر بجوارحه عبادة، وأشرك في قلبه ولم يخلص.
ولكن ليس أحدٌ من الناس المنتسبين للإسلام يظهر الشرك ويبطن التوحيد، فهذا غير موجودٍ، ولا هو حقيقة، فإن من أظهر بلسانه وعمله الشرك وترك الإخلاص فلا بد يقينًا أن يكون قلبه غير مخلص، وهذا لا مخالف فيه.
ويستثنى من ذلك المكره بالقتل كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، أما والمرء مختار راغب في العبادة فلا يعقل أن يظهر لفظًا شركيًا وقلبه مخالف لفظه.
فالمظهر للإخلاص المبطن خلافه منافق كالمنافقين في زمن رسول الله ﷺ والمظهر الشرك مشرك من المشركين كالذين قاتلهم رسول الله ﷺ من مشركي العرب وغيرهم.
[ ١٨٨ ]
فالمنافقون في زمن النبي ﷺ يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلون معه، ويصومون ويزكون ويؤدون الشعائر الظاهرة ومع كل هذا هم في الدرك الأسفل من النار، تحت الكفار وشر منهم؛ لأنهم لم يخلصوا أعمالهم لله، ولم يقولوا كلمة التوحيد بإخلاص، بل ناقض إظهار الإسلام أعمالٌ كفرية كتولي المشركين، والاستهزاء بالمؤمنين، ونحوها من المكفرات التي دلت على عدم إخلاصهم، فكفروا مع نطقهم بالشهادتين، وفعلهم أركان الإسلام.
وهذا من أنفع البراهين الدالة على فساد قول من قال: إن من قال لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وقام بالشعائر إنه لا يتطرق إليه كفر مع قيامه بالأركان، وهم نظروا إلى الظواهر، والأس الأعظم والركن الوثيق الإخلاصُ لم يلتفتوا له.
وهذا الإخلاص هو مدلول كلمة التوحيد؛ ولذا سميت كلمة الإخلاص، فإن من قالها غير معتقدٍ ما دلت عليه من إخلاص العبادة لله فلا يسمى شاهدًا بها؛ ولذا كان الركن الأعظم من أركان الدين شهادة أن لا إله إلا الله، لا قول لا إله إلا الله فقط.
فمن الخلق من يقولها بلسانه، ولكنه لا يشهد بها بقلبه، بمعنى: أنه لا يخلص ما دلت عليه، فهذا فقد من دينه الركن الأوثق وهو الإخلاص.
[ ١٨٩ ]
فصل:
ولذا يجد المطالع في كتب أهل العلم الفقهية بابًا في كل كتاب منها يسمى: باب الردة، أعاذنا الله منها ومن ما قرب إليها، يذكرون فيه ألفاظًا يكفر بها المسلم ويصير مرتدًا مباح المال والدم، مع أن هذا المرتد يكون -غالبًا- يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويكون صائمًا حاجًا، ولكنه ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام كالشرك فصار مرتدًا عن الإسلام.
وها أنا أسوق في هذا الموضع عبارات أهل العلم وكلامهم من المذاهب الأربعة المتبوعة لينجلي المقام، وتظهر حقيقة الحال، في هذا الأمر.
قال في " مختصر خليل على شرح الدردير " (٦/١٤٤)، من كتب المالكية المعتمدة: " الردة: (كفر مسلم) متقررٍ إسلامه بالنطق بالشهادتين مختارًا، يكون (بصريح) من القول كقوله أشرك بالله، (أو قول يقتضه) أي: يقتضي الكفر، كقوله جسم كالأجسام، (أو فعل يتضمنه) أي: يستلزمه لزومًا بينًا: (كإلقاء مصحف) أو بعضه ولو كلمة، وكذا حرقه استخفافًا، لا صونًا، ومثل إلقائه تركُه بمكان (قذر) . . . ومثل المصحف: الحديث وأسماء الله وكتب الحديث، وكذا كتب الفقه إن كان على وجه الاستخفاف بالشريعة. . إلخ ".
قال الصاوي في " حاشيته " على أول كلامه: " قوله: (متقرر إسلامه) إلخ: ظاهره أن الإسلام يتقرر بمجرد النطق بالشهادتين مختارًا، وإن لم يوقف على الدعائم، وليس كذلك، بل لابد في تقرير الإسلام من الوقوف على الدعائم والتزامه الأحكام بعد نطقه بالشهادتين" انتهى.
[ ١٩٠ ]
فعلم من هذا أن الردة تلحق المسلم القائل ألفاظ الشهادتين العامل بالأركان، وهو مذهب أهل العلم جميعهم، لا خلاف بينهم في ذلك.
والحنفية أكثر الفقهاء توسعًا في باب المرتد رعاية لجانب تعظيم آيات الله ودينه؛ حتى أنهم ليكفرون بألفاظ فيها نوع ترك التعظيم والاحترام الواجب لله ورسوله ودينه وعلماء المسلمين وعلومهم. فهاك نبذًا مما قاله ابن نجيم الحنفي في كتابه: " البحر الرائق شرح كنز الدقائق " (٥/١١٩-١٢٥):
" ويكفر إن اعتقد أن الله يرضى بالكفر، وبقوله: لو أنصفني الله تعالى يوم القيامة انتصفت منك، أو إن قضى الله يوم القيامة، أو إذا أنصف الله، وبقوله: بارك الله في كذبك. . . وبقوله: الله يعلم أني فعلت كذا وهو يعلم أنه ما فعل. . وبإتيان الكاهن وتصديقه، وبقوله: أنا أعلم المسروقات، وبقوله: لا أعلم أن آدم ﵇ نبي أو لا. . . ويكفر من أراد بغض النبي ﷺ بقلبه. . . ويكفر بقوله: إن كان ما قال الأنبياء حقًا أو صدقًا.
وبرده حديثًا مرويًا إن كان متواترًا، أو قال على وجه الاستخفاف؛ سمعناه كثيرًا. . .، وباستخفافه بسنةٍ من السنن.
وبإنكاره إمامة أبي بكر -﵁- على الأصح، كإنكاره خلافة عمر -﵁- على الأصح، لا بقوله: لولا نبينا لم يخلق آدم ﵇، وهو خطأ.
وبقوله: لا أترك النقد لأجل النسيئة، جوابًا لقوله: دع الدنيا للآخرة. . . ويكفر بإنكاره أصل الوتر والأضحية، وباستحلال وطء الحائض.
ويكفر باستحلاله حرامًا علمت حرمته من الدين من غير ضرورة لا بفعله من غير استحلال. . .، وبقراءة القرآن على ضرب الدف أو القضيب، وباعتقاد أن القرآن مخلوق حقيقة، والمزاح بالقرآن كقوله: والتفت الساق
[ ١٩١ ]
بالساق، أو ملأ قدحًا وجاء به وقال: وكأسًا دهاقًا، أو قال عند الكيل أو الوزن وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، وقيل إن كان جاهلًا لا يكفر.
وبترك الصلاة متعمدًا غير ناوٍ للقضاء، وغير خائف من العقاب، ويكفر بإتيانه عيد المشركين مع ترك الصلاة تعظيمًا لهم. ويكفر بقوله: إن هذه الطاعات جعلها الله عذابًا علينًا، بلا تأويل، أو قال: لو لم يفرض الله هذه الطاعات لكان خيرًا لنا، وبالاستهزاء بالأذكار، وبتسميته عند أكل الحرام، أو فعل الحرام كالزنا، ويكفر بالاستهزاء بالأذان لا بالمؤذن.
ويخاف الكفر على من قال للأمر بالمعروف: غوغا، على وجه الرد والإنكار، ويكفر بقوله له: فضولي. . . ويكفر بتصدقه على فقير بشيء حرام يرجو الثواب.
ويخاف عليه الكفر إذا شتم عالمًا أ، فقيهًا من غير سبب.
وبخروجه إلى نيروز المجوس والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم، ويشرائه يوم النيروز شيئًا لم يكن يشتريه قبل ذلك تعظيمًا للنيروز، لا للأكل والشرب، وبإهدائه ذلك اليوم للمشركين ولو بيضة تعظيمًا لذلك اليوم. .
وبتحسين أمر الكفار اتفاقًا، حتى قالوا: لو قال: ترك الكلام عند أكل الطعام من المجوس حسن، أو ترك المضاجعة حالة الحيض منهم حسن فهو كافر.
وبذبحه شيئًا في وجه إنسان وقت الخلقة، أو للقادم من الحج أو الغزو، والمذبوح ميتة، وقيل: لا يكفر، وقوله لسلطان زماننا، عادل، وقيل: لا، وعلى هذا الاختلاف قول الخطباء في ألقاب السلطان: العادل الأعظم، مالك رقاب الأمم، سلطان أرض الله، مالك بلاد الله وبقوله: لا تقل للسلطان
[ ١٩٢ ]
هذا، حين عطس السلطان فقال له رجل: يرحمك الله. . . وباعتقاد أن الخراج ملك السلطان.
ويكفر بتلقين كلمة الكفر ليتكلم بها ولو على وجه اللعب.
وكذا من حسن كلام أهل الأهواء وقال: معنوي، أو كلام له معنى صحيح، إن كان ذلك كفرًا من القائل كفرًا من القائل كفر المُحَسَّن، وكذا من حسن رسوم الكفرة، واختلف في تكفير من قال: إن إبراهيم بن أدهم رأوه بالبصرة يوم التروية وفي ذلك اليوم بمكة.
قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر. وفي "الجامع الأصغر ": إذا أطلق الرجل كلمة الكفر عمدًا لكنه لم يعتقد الكفر قال بعض أصحابنا: لا يكفر؛ لأن الكفر يتعلق بالضمير ولم يعقد الضمير على الكفر، وقال بعضهم: يكفر، وهو الصحيح عندي لأنه استخف بدينه. . .
والحاصل أنه من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل، ولا اعتبار باعتقاده. . . إلخ" انتهى كلام ابن نجيم، وهو منبٍ عن كثير من ألفاظٍ يكفر بها عند الحنفية وكثير من غيرهم.
وقال الخطيب الشربيني في شرحه لمتن أبي شجاع المسمى " غاية الاختصار " من الكتب الفقهية الشافعية (٢/١٧٥) بعد تعداد صور يكفر بها المسلم: " وهذا باب لا ساحل له" اهـ وفي الكبائر لابن حجر الهيتمي من ذلك شيء كثير وكذا في " قواطع الإسلام " له.
وقال مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه " غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى " (٣/٣٥٣): " من ادعى النبوة أو صدَّقه، أو أشرك بالله تعالى، أو سبه، أو رسولًا أو ملَكًا له، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة. . . أو كتابًا أو رسولًا أو ملَكًا له، أو وجوب عبادة من الخمس ومنها الطهارة، أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، بلا تأويل
[ ١٩٣ ]
كتحريم زنا أو لحم -لا شحم- خنزير، أو حشيشة، أو حل خبز، ونحوه أو شك فيه ومثله لا يجهله، أو يجهله وعرف وأصرّ، أو سجد لصنم أو كوكب، ويتجه السجود للحكام بقصد العبادة كفر، وللتحية كبيرة، أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعًا، قاله الشيخ.
أو أتى بقولٍ أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، أو امتهن القرآن -صانه الله تعالى -أو ادعى اختلافه أو القدرة على مثله، أو أسقط حرمته كفر. . . إلخ ".
فلعله بهذه النقول عن فقهاء المذاهب الأربعة يظهر الحق، ويبطل قول من قال: إن المسلم القائل بالشهادتين القائم بالأركان لا يكفر، كما يدندن حوله كثير من غلاة القبوريين منذ أزمان.
[ ١٩٤ ]
فصل
فإذا تقرر إجماع أهل العلم أن الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول، ويصلي ويزكي ويصوم ويحج، قد يخرج من الدين جملة، فيكون مرتدًا لقولٍ يقوله، أو فعلٍ يفعله، أو اعتقادٍ يقوم بقلبه، فإننا بعد ذلك نقيم البرهان من كلام أهل العلم على تكفير عباد القبور، العاكفين عليها الداعين أصحابها، أو المستشفعين بأهل القبور كائنًا من كانوا، وإن في كلام الله -﵎- وسنة رسوله ﷺ لأكبر العلم الذي ليس بحاجة معه إلى نقل كلام آخر، ولكن من الناس من لا يفقه دلائل الكتاب والسنة حتى تنقل له أقوال العلماء، وإن هذا الفصل منشأ لهذه الغاية، بما لا يظل بعده للمنازع حجة، ولا سبيل إلى الاعتراض، إذ من تأتي النقول عنهم صرحوا بكفر وشرك من سأل غير الله، أو اتخذه واسطة.
فمنها: ما قاله ابن حجر الهيتمي في "شرح الأربعين" قال: "من دعا غير الله فهو كافر" اهـ.
ومنها: ما قاله الشيخ العلامة صنع الله بن صنع الله الحلبي ثم المكي المتوفي سنة ١١٢٠هـ في كتابٍ رد به على من ادعى أن للأولياء تصرفًا في الحياة وبعد الممات، قال:
" هذا وإنه قد ظهر الآن بين المسلمين، جماعات يدعون أن للأولياء تصرفاتٍ في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات. . .، قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة ".
[ ١٩٥ ]
ثم ساق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وذكر آياتٍ في هذا المعنى ثم قال: فقوله في الآيات كلها: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده. . . إلى أن قال:
وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿نَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: ٤٢] .
ثم قال: " وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله، وأبدع، لمصادمة قوله جل ذكره: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٢]، ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّنظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] "، وذكر آياتٍ لهذا المعنى ثم قال: "فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المستعان لكشف الشدائد والكرب، وأنه المتفرد بإجابة المظطرين، وأنه المتسغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير فهو المنفرد بذلك.
فإذا تعين -جل ذكره- خرج غيره من ملك ونبي وولي، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربةٍ أو قضاء حاجته تأثيرًا فهو على شفا حفرة من السعير.
[ ١٩٦ ]
قال: فهذا ظن أهل الأوثان، كذا أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَيُنقِذُونِ﴾ [يّس: ٢٣] .
فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره) انتهى كلام العلامة صنع الله الحلبي ثم المكي الحنفي١.
٣. وقال العلامة أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ صاحب التصانيف في كتابه " تجريد التوحيد المفيد " ص ٨:
" وشرك الأمم كله نوعان: شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. فالشرك في الإلهية والعبادة هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عباد الأصنام، وعباد الملائكة، وعباد الجن، وعباد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، والذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ويشفعوا لنا عنده، ولنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك، وأقاربه وخاصته.
والكتب الإلهية كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وترده، وتقبح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل -صلوات الله عليهم -متفقون على ذلك من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك تعالى من الأمم إلا بسبب هذا الشرك ومن أجله ".
_________________
(١) ١ باختصار من تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله، ص (١٩٦-١٩٩) .
[ ١٩٧ ]
وقال ص ١٢-١٣: " والناس في هذا الباب أعني: زيارة القبور على ثلاثة أقسام: قوم يزورون الموتى فيدعون لهم، وهذه هي الزيارة الشرعية. وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء المشركون في الألوهية والمحبة١ وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم وقد قال النبي ﷺ: " اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد " وهؤلاء هم المشركون في الربوبية".
وقال المقريزي أيضًا ص ١٨-١٩:
" ومن خصائص الألوهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبهه به، ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه فمن حلف بغيره فقد شبهه به، ومنها الذبح له فمن ذبح لغيره فقد شبهه به، ومنها حلق الرأس إلى غير ذلك.
هذا في جانب التشبيه، أما في جانب التشبه فمن تعاظم وتكبر ودعى الناس إلى إطرائه ورجائه ومخافته، فقد تشبه بالله، ونازعه في ربوبيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه" انتهى.
وقال الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي في " شرح درر البحار ": "إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلًا: يا سيدي فلان! إن رُدّ غائبي أو عوفي مريضي فلك من الذهب والفضة أو الشمع أو الزيت كذا باطل إجماعًا، لوجوه: -إلى أن قال-: "منها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقادُ هذا كفر" انتهى، نقله عنه جماعة منهم سراج
_________________
(١) ١ يعني بـ "يدعون بهم" الاستشفاع بهم، وسؤالهم الشفاعة والتوسط، ولا يعني التوجه بالذوات أو الجاه ونحو ذلك؛ لأن هذا ليس شركًا، بل بدعة ووسيلة إلى الشرك.
[ ١٩٨ ]
الدين بن نجيم في " النهر الفائق شرح كنز الدقائق "، وعنه نقل الشوكاني في " الدر النضيد " ص ٤٠، وغيرهم.
وقال العلامة محيي السنة في الأصقاع اليمانية حسين النعمي المتوفى سنة ١١٨٧هـ في كتاب " معارج الألباب في مناهج الحق والصواب " ص ٢٠٩ بعد كلام طويل في الدعاء: " فدعاءُ غير الله تعالى: إخراج للدعاء عن محله وموضوعه، كقيامه بتلك الصلاة على تلك الكيفية للمقبور والحجر، سواء بسواء، والفصل بين الصلاة والدعاء: فصلٌ بين متآخيين، وتفريق بين قدين، وإلا فليجعلوا للمقبور صلاة وصيامًا، ونحوهما، يفارق الذم والتشريك، ويكون صالحًا خاليًا عن الفساد والمنكر، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم " اهـ.
وكتابه كله في موضوع القبور، وعبادها، وفيه من البراهين المنيرة، والحجج القويمة ما يرجع كل ضال كتبت له الهداية إلى سواء الصراط.
وقال قرين النعمي ومؤاخيه في نصر السنة في اليمن العلامة محمد ابن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة ١١٨٢ في داليته المشهورة في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
ويَعْمُر أركانَ الشريعةِ هادمًا
مشاهدَ ضلَّ الناسُ فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سُوَاعٍ ومثله
يغوثُ وودٌ بئسَ ذلك من وَدّ
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها
كما يهتِفُ المضطرُّ بالصَمَدِ الفرد
وكم عقروا في سَوْحها من عقيرةٍ
أهلْتْ لغير الله جهلًا على عمد
وقال في كتابه " تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد " ص ١٥:
" والنذور بالمال على الميت ونحوه، والنحر على القبر، والتوسل به، وطلب الحاجات منه: هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما يفعلونه
[ ١٩٩ ]
لما يسمونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يسمونه وليًا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها، ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية" اهـ.
وقال عالم اليمن في القرن الثالث عشر محمد بن علي الشوكاني في " الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد " ص ١٩ بعد سياقه الأدلة على كفر عباد القبور المستشفعين والمستغيثين بأصحابها: " فإن قلت: إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات، قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه.
قلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز.
ثم قال ص ٢١: " فإن قلت: إن المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها.
قلتُ: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم، فن من استغاث بالأموات، أو طلب منهم ما لا يقدرُ عليه إلا الله سبحانه، عظّمهم أو نذر لهم بجزء من ماله، أو نحر لهم، فقد نزلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذه الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله، ولا عمل بها، بل خالفها اعتقادًا وعملًا، فهو في قول لا إله إلا الله كاذب على نفسه، فإنه قد جعل إلهًا غير الله" اهـ.
ومثل هذه النقول كثيرة في الشرق والغرب من علماء كل بلد، الذين تخلصوا من التقليد والتبعية للمشايخ الكذبة المستفيدين من المساكين الجهلة.
[ ٢٠٠ ]
والنقول كثرة فتتبعها تجد ما قلنا، وما زال أهل العلم١، في كل قرن ينكرون هذه الأمور ويكفرون فاعلها، ففي القرن الخامس: أنكرها وكفر بها ابن عقيل الحنبلي صاحب الفنون.
وفي السادس: ابن الجوزي، وفي السابع: أبو شامة والنووي وغيرهم وابن تيمية، وفي الثامن: ابن القيم وابن عبد الهادي وابن كثير وابن مفلح وكلهم حفاظ مشهورون، وفي التاسع: المقريزي وغيره كابن قطلوبغا، وفي العاشر: البركوي، وفي الحادي عشر: صنع الله الحلبي والبهوتي، وفي الثاني عشر: جماعات تفرقت بلدانهم والتقت كلماتهم بهدي ربهم، ففي وسط الجزيرة محمد بن عبد الوهاب، وفي اليمن النعمي والصنعاني، وغيرهم جماعات ثم بعد ذلك كثر القول بالحق في أصقاع الأرض في الهند والعراق ومصر والشام والجزيرة وغيرها من البلدان في الشرق والغرب.
ولو قال عالم أو عالمان في مسألة حكمًا بدليها لوجب الرجوع إلى قولهما، فكيف بأمة من العلماء ينهون ويحذرون عن هذا الشرك وأدلتهم أوضح أدلة، وأصحها في النقليات، وأصرحها في العقليات؟ !
فليخف كل إنسان على نفسه وإسلامه، فإن الأمر أمر كفر وإسلام، وإلحاد وإيمان، فالخوف الخوف، والنجاة النجاة يا عباد الله!
_________________
(١) ١ ومن ذكرت أسمائهم على سبيل التمثيل والتصريح.
[ ٢٠١ ]
فصل
وللشيخ تقي الدين ابن تيمية وعلماء الحنابلة الأقوال المستفيضة في كفر متخذ الشفعاء والأنداد من الأموات، فهاك بعضها تتميمًا للمقام:
قال شيخ الإسلام: " من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، يدعوهم، ويسألهم -كفر- إجماعًا" نقله عنه جماعة مقررين له، ومنهم ابن مفلح في " الفروع " (٦/١٦٥)، والمرداوي في " الإنصاف " (١٠/٣٢٧)، والشيخ مرعي في " غايةالمنتهى " (٣/٣٥٥)، وفي " الإقناع وشرحه " (٤/١٠٠)، ونقله من غير الحنابلة ابن حجر الهيتمي المكي في " قواطع الإسلام ".
قال الشيخ سليمان في " تيسير العزيز الحميد " ص ١٩٤: "وهو إجماع صحيح ومعلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم في باب حكم المرتد على أن من أشرك بالله فهو كافر، أي: عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات.
وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن دعاء الله عبادة له، فيكون صرفه لغير الله شركًا" اهـ.
وقال ابن تيمية في " الرسالة السنية ":
" فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل" اهـ.
وقال تلميذه ابن القيم في " مدراج السالكين " (١/٣٤٠):
" والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم: أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله،
[ ٢٠٢ ]
وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد.
وقال: وترى المشرك يكذب حالُه وعملُه قولَه، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله ثم يغضب لهم ولحرماتهم -إذا انتهكت -أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده، فإنك ترى المشرك يفرح ويُسَرّ ويحن قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة، وضيق وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك.
رأينا والله منهم هذا عيانًا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة، ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا، فقال هؤلاء: انتقصتم مشايخنا" اهـ.
وقال الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه " الصارم المنكي " آخر ورقة منه: " قوله -أي السبكي-: إن المبالغة في تعظيمه واجبة١ أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره، والسجود له والطواف له، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن شاء، ويدخل الجنة من شاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين" اهـ.
_________________
(١) ١ أي: تعظيم الرسول ﷺ.
[ ٢٠٣ ]
فتدبر مقالة هذا الحافظ العلم، والحافظ قبله، تعلم منه أن الخزي والسوء على المشركين، الذين سهلوا قيادهم لمردة الشياطين وجند إبليس، وهو على إضلالهم حريص، فقال لرب العالمين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢، ٨٣] .
فافطن لهذه المواضع التي التقت فيها كلمة أهل العلم الذين أثنى عليهم وشهد لهم بالإمامة والفقه واتباع السنة علماء عصرهم، ومن بعدهم إلى يومنا.
وبهذه النقول الجليات، والكلمات الواضحات، والأحرف النيرات، من العلماء الأعلام، تنزاح شبه طالما علقت بقلوب الذين زين لهم المتسيدون الفساد والشرك جهلًا أو عن علم.
والواجب الوقوف على هذه المكفرات، المحكوم على مرتكبها، بالشرك الأكبر المخرج من الدين، والنظر فيها وفقه معانيها، وسؤال الله الابتعاد عنها، وتجنب أهلها، والبراءة منهم قولًا وعملًا.
ويتحتم شرعًا على طالب السلامة، مبتغي الجنة ورضا رب العالمين أن يتعلم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ويتعلم فضله، وأنواعه، وأن يتعلم حكم ضده ليحذر منه، من الشرك الأكبر ووسائله ودواعيه.
وليستقيم طالب النجاة على التوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا، وليباعد نفسه من كل ما يخدشه، أو يكْلِمه، وليوطن نفسه على تحقيقه كاملًا تامًا من شوائب النقصان، فبهذا تنال الكرامة عند الله، ويلحق المؤمن بأفضل الخلق محمدٍ ﷺ، وبأصحابه، والصديقين والشهداء، ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] .
[ ٢٠٤ ]
فصل
قال الشوكاني في " الدر النضيد " ص (٢٧-٢٨):
"واعلم أن ما حررناه وقررناه من أن كثيرًا مما يفعله المعتقدون في الأموات يكون شركًا، قد يخفى على كثيرٍ من أهل العلم، وذلك لا لكونه خفيًا في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر وكونه قد شاب عليه الكبير وشب عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه، ويندب الناس إليه.
وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر، ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت؛ ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائر، ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا.
وربما يهولون على الزائر لذلك الميت، ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين إليه. . . ثم قال:
فبمجوع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة، وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما تعلمه من العلم بعد ذلك، بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه، وإذا سمع من يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه؛ لأنه يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى
[ ٢٠٥ ]
كونه من أقبح المقبحات وأكبر المحرقات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودب فيه الأخلاف، وتعادوته العصور، وتناوبته الدهور.
وهكذا كل شيء يقلد الناس في أسلافهم، ويحكمون العادات المستمرة، وبهذه الذريعة الشيطانية، والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرًا والمنكرمعروفًا، وتبدلت الأمة بكثير من المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم، وأنسوا إليه، حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك ولم تقبله طبائعهم، ونالوا ذلك المرشد بكل الكره، ومزقوا عرضه بكل لسان) انتهى كلام العلامة الشوكاني، وهو فصل فيما ذكرهن فعسى الله أن يهدي به أقوامًا إلى طريقه القويم، وصراطه السابل الكريم.
[ ٢٠٦ ]
فصل
وكثيرًا ما يردد المفتونون بالقبور، الغالون في الصالحين في منع الحكم على فعلهم بالشرك أن هذه الأمة لا يقع فيها إشراك بالله، ورجوع إلى أديان من سبق من الأمم، فيحتجون بهذا مع احتجاجهم بمنع تكفير من تلفظ بلا إله إلا الله، ولم يعمل بما دلت عليه من إخلاص العبادة لله، وإفراده وحده بأنواع أفعال العباد كالمحبة والرجاء والخوف -خوف السر- والدعاء والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر ونحوها.
ورسول الله ﷺ قد قطع هذه الشبهة من القلوب، وبصر أمته بهذه المسألة فتركها وقد حذر وأنذر وأخبر، فحذر من سلوك مسلك اليهود والنصارى، وأخبر بأن أمته تحذو الأمم قبلها في ما عملته تلك الأمم من شرك وعصيان، فروى الشيخان البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عن أبي سعيد الخدري -﵁عن النبي ﷺ قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم "، قلنا: يا رسول الله! آليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " هذا لفظ البخاري (١٣/٣٠٠)، وأخرجه البخاري عن أبي هريرة.
قال ابن بطال في " شرح البخاري ": "أعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع، والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس" اهـ.
[ ٢٠٧ ]
قال الشيخ سليمان بن عبد الله١: "وهذا من معجزاته، فقد اتبع كثير من أمته سنن اليهود والنصارى وفارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم، وإقامة شعارهم في الأديان والحروب والعادات من زخرفة المساجد، وتعظيم القبور واتخاذها مساجد، حتى عبدوها ومن فيها من دون الله، وإقامة الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت. . . واتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، والإعراض عن كتاب الله، والإقبال على كتب الضلال من السحر والفلسفة والكلام، والتكذيب بصفات الله التي وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله ﷺ".
قال: " إن الأمم قبلنا وجد فيها الشرك، فكذلك يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع"، وروى أحمد في " المسند " (٥/٢٧٨، ٢٨٤)، وأبو داود في " السنن " (٤٢٥٢)، وابن ماجه (٣٩٥٢)، والحاكم (٤/٤٤٩)، وغيرهم عن ثوبان -﵁- في حديثٍ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ".
هذا لفظ أحمد وأبي داود، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ففي الحديث الرد على من قال بخلافه من عباد القبور، الذين ينكرون وقوع الشرك وعبادة الأوثان في هذه الأمة.
وفي معناه ما أخرجه البخاري (١٣/٧٦)، ومسلم (٨/١٨٢) عن أبي هريرة مرفوعًا: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب ألياتُ نساء دوس على ذي الخَلَصة ".
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص ٣٢٠-٣٢١ ط. الأولى.
[ ٢٠٨ ]
وأخرج مسلم (٨/١٨٢) عن عائشة مرفوعًا: " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ".
وصدق رسول الله ﷺ تسليمًا كثيرًا، وإن عبادة اللات والعزى لكائنة.
قال ابن بطال في شرحه للبخاري: " هذا الحديث وما أشبهه ليس المراد به أن الدين ينقطع كله في جميع أقطار الأرض حتى لا يبقى منه شيء؛ لأنه ثبت أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة، إلا أنه يضعف ويعود غريبًا كما بدأ " اهـ.
ففي هذه الأحاديث دليل على أن الأمة يكون فيها الشرك قبل قيام الساعة، وفي حديث ثوبان دليل واضح على وقوع الشرك في قبائل، وفي لفظ: " فئام" أي: جماعات كثيرة، وهناك قبائل من أمته على الحق ثابتون، فدل على أن هذا عند غربة الدين واشتداد ذلك، وهذا من علامات القيامة الصغرى التي تكون قبل قيام الساعة بأزمان مديدة، شأنها شأن سائر العلامات الصغرى التي تكون كما أخبر نبي الله ﷺ من بعد موته إلى قرب قيام الساعة.
وهذه العلامات كثيرة في أحاديث مشهورة، ولحوق قبائل من أمته بالمشركين، وعبادة قبائل الأوثان من جنسها مما يكون شيئًا إلى قيام الساعة.
وحديث عبادة اللات والعزى وذي الخلصة تكون العبادة -وهو الظاهر- لها بأعيانها، وقد يكون أراد أجناسها مما يعبد من دون الله، والأول أليق لتعين حمل النص على ظاهره.
[ ٢٠٩ ]
فصل
ويحتج بعض المبتدعة المخرفين بحديثٍ رواه مسلم في " الصحيح " (٨/١٣٨): عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم "١.
والجواب: أن يقال: إن الشيطان أيس بنفسه -ولم يُأَيَّس- لما رأى عز الإسلام في حياة النبي ﷺ، وإقبال القبائل على الدخول في هذا الدين الذي أكرمهم الله به، فلما رأى ذلك يئس من أن يرجعوا إلى دين الشيطان، وأن يعبدوا الشيطان أي: يتخذوه مطاعًا.
وهذا كما أخبر الله عن الذين كفروا في قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فهم يئسوا أن يراجع المسلمون ما عليه المشركون من الدين الباطل القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، وصرف العبودية إلى أشياء مع الله أو من دونه.
فلما رأى المشركون تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، وكذا الشيطان يئس لما رأى عز المسلمين ودخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب.
والشيطان -لعنه الله- لا يعلم الغيب، ولا يعلم أنه ستحين له فرص يصد الناس بها عن الإسلام والتوحيد، وكانت أول أموره في صرف الناس لعبادته بعد موت النبي ﷺ، حيث أطاعه أقوام وقبائل، فارتدت عن الإسلام إما بمنع الزكاة، أو باتباع مدعي النبوة.
_________________
(١) ١ ساقه صاحب المفاهيم ص ٢٧ هكذا: " إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم -جزيرة العرب"، فحذف كلمة " المصلون" الثابتة.
[ ٢١٠ ]
فنشط وكانت له جولة وصولة ثم كبته الله، والمقصود أن الشيطان ييئس إذا رأى التمسك بالتوحيد والإقرار به والتزامه، واتباع الرسول ﷺ وهو حريص على أن يصد الناس عن هذا.
ولذا تمكن من هذا في فتراتٍ مختلفة، فعبده القرامطة عبادة طاعة وهم في الجزيرة وأفسدوا ما أفسدوا، وعبده من بعدهم مما يعرفه أولو البصيرة. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠-٦١] .
قال أبو جعفر محمد بن جرير إمام المفسرين -﵀- في " تفسيره " (٢٢/٢٣ حلبي): "يقول: وأَلَم أعهد إليكم أن اعبدوني دون كل ما سواي من الآلهة والأنداد، وإياي فأطيعوا، فإن إخلاص عبادتي، وإفراد طاعتي، ومعصية الشيطان هو الدين الصحيح والطريق المستقيم " انتهى.
ثانيًا: إن نبينا محمدًا ﷺ قد أنزل عليه هذا القرآن الذي فيه فصل ما بين الشركوالتوحيد، ونُوَّع هذا في القرآن وقرر حتى صار مما يعلم بالضرورة أن النبي محمدًا ﷺ بعثه الله يدعو إلى التوحيد -توحيد العبادة -وينهى عن الشرك وهو اتخاذ الأنداد وعبادة غير الله ومحبة غيره كمحبة الله.
فهذا معلوم بالضرورة، وأن النبي ﷺ قاتل أناسًا مقرين بتوحيد الربوبية وهو أن خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ومحيهم ومميتهم، قاتلهم ليقروا ويلتزموا بتوحيد الإلهية الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
فبهذا الأصل وهو الركن الأوثق والطود الأعظم نعلم يقينًا أن الله -جل وعلا-لم يترك هذا الأمر ملتبسًا أو مما يجتهد فيه أهل الذكر، بل هو أصل مقطوع به، مجزوم به لا اشتباه فيه ولا التباس، كما قال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في حديث العرباض بن سارية الصحيح:
[ ٢١١ ]
" تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك "، فهذه البيضاء هي مضمون لا إله إلا الله، وهي إفراد الله بالعبادة وخلع الأنداد، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة من الشرك وأهله، كما فسرها أهل العلم -﵏-.
فإذا علم هذا يقينًا فمحال أن يكون الشرك بصورته التي نهى الله عنها موجودًا في بلادٍ كثيرة ويحكم عليها بالشرك، ويوجد في الجزيرة بصورته ولا يحكم عليها بالشرك، هذا من التلاعب والهوى الصارخ، فمعنى الحديث متضح والحمد لله.
ثالثًا: جاء في الحديث إياس الشيطان من أن يعبده المصلون، والصلاة من أركان الإسلام العظام، وهي أعظم الأركان بعد الشهادتين، والصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وأعظم المنكر الشرك بالله وصرف محض حق الله إلى غيره من الأنبياء والصالحين، فيكون هذا القيد لازمًا للشهادة وإخلاص الدين، فيكون المعنى:
إن الشيطان يئس أن يعبده المخلصون دينهم لله، فتأمل نكتة تقييده بالمصلين، ويعني بها حقيقة الصلاة وثمرتها، وهذه نكتة مفيدة منَّ الله بها، والحمد لله الموفق للصالحات.
[ ٢١٢ ]