أما أغلاط الحواسّ؛ فمنها رؤية الجسم البعيد صغيرًا، ورؤية من يغمز إحدى عينيه الشيءَ شيئين، وغير ذلك مما تراه في كتاب "المواقف" (^١)، وغيره.
وأما أغلاط القياس؛ فمنها أنك إذا جئت بإنسان لم تسبق له معرفة بالمذياع، فأوقفته خارج حُجرة فيها مِذْياع، ثم دخلتَ وفتحتَ المذياع، وعدت إلى صاحبك، فإنه إذا سمع المذياع حكم بأن في الحُجْرة إنسانًا يتكلّم، وأمثال هذا كثيرة.
_________________
(١) (١/ ٨٨ - ٩٢) للإيجي. وانظر "بغية المرتاد": (ص ٢٦٧)، و"مجموع الفتاوى": (٤/ ٣٠، ١٣/ ٧٦).
[ 5 جـ / ١٢ ]
وقال الله ﷿: ﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩].
وقال سبحانه: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [النمل: ٤٤].
واعلم أن الأغلاط في النفي أكثر منها في الإثبات؛ وذلك لكثرة اعتماد الإنسان في الحكم بالنفي على استقرائه [ص ٦] الناقص، فلو لم يَثبُت عندك قطعًا تفاوتُ الناس في الإبصار لكنت إذا تراءيت الهلال أنت وآخرون فادَّعوا رؤية الهلال وأنت لا تراه تُكذِّبهم. وقِسْ على هذا سائر الحواس.
ولهذا تجدنا نكذِّب ما يُحْكى عن زَرْقاء اليمامة (^١)، ونكاد نكذِّب ما يحكيه أهلُ التجارب من قوة شمِّ الكلب، وكذلك يكذِّب كثيرٌ من الناس كثيرًا مما يُحكى من الغرائب الطبيعية.
وكثيرٌ مما اكتشفه الناس كالكهرباء والراديو وغيرها لو حُكي لهم لوازمه قبل أن يُكْتَشَف لقطعوا باستحالتها. وهذه الاكتشافات اضطرت علماء الطبيعة إلى أن يجزموا أنه لا يزال في خبايا الكون أشياء لا تخطر لأحد على بال، سيرى الناس بعد اكتشافها كثيرًا مما يقطعون الآن باستحالته.
هذا مع أن أرضنا هذه نقطة صغيرة من العالم، ولا نشكّ أنَّ فيه ما هو أرقى منها، وأن هناك ما ليس هاهنا، ولا يجد العقلُ مانعًا من أن يكون هنا وهناك حقائق لا تُدْرَك بحواسنا هذه، وإنما تُدرك بحواسّ أخرى، وقد صرَّح
_________________
(١) امرأة من جديس، قيل: إنها كانت تنظر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وتبصر الشعرة البيضاء في اللبن .. انظر "ثمار القلوب": (١/ ٤٦٥ - ٤٦٧)، و"حياة الحيوان": (٤/ ٢٤١)، و"الأعلام": (٣/ ٤٤).
[ 5 جـ / ١٣ ]
بذلك المتفلسفون (^١) من القدماء والعصريين (^٢). قال بعض العصريين: إن للنحل حاسة سادسة (^٣).
وليس هناك ما يحصر الحواسّ الممكنة في الخمس، ولا في ست، ولا سبع، ولا أكثر.
وهذا الحَبّ والنوى لو لم يتضح لنا بالحس والقياس والتواتر اتضاحًا قاطعًا أن الحبة والنواة تبقى سنين، ثم إذا وُضِعَت في الطين نبت منها مثل أصلها، ثم كبر، ثم أثمر مثل ذلك الثمر الأول، وهكذا أبدًا = لقطعنا باستحالته.
وكذلك توالد الحيوان وما فيه من العجائب، لو أخذتَ بيض حمام، فولَّدته توليدًا صناعيًّا، بوضعه في التبن ونحوه في حرارة معتدلة، فلما خرجت الفراخ ربيتها بدون أن تخالط غيرها من الحمام، ثم أخذت منها ذكرًا وأنثى، وعزلتهما في موضع = لوجدتهما بعد أن يكبرا ويتسافدا يشرعان في جمع القَشّ، واتخاذ موضع صالح لوضع البيض فيه وحضنه (^٤).
فمن أعْلَمَهما أن السِّفاد سبب للتوالد؟ ومن أعلمهما أن الأنثى ستضع بيضًا يحتاج أن يُحْضَن؟ وقس على ذلك.
_________________
(١) غير واضحة في الأصل، وهكذا قرأتها.
(٢) هذا من حيث التجويز العقلي لا مانع منه. وانظر ما ذكره الإمام ابن القيم من حِكْمة جعل الحواس خمسًا في مقابلة المحسوسات الخمس، وأنه لو كان هناك ما يُحسّ بغيرها لجعل له حاسة سادسة. "مفتاح دار السعادة": (٢/ ٢٠٣).
(٣) انظر في عجيب أمرها وحكمة خلقها: "مفتاح دار السعادة": (٢/ ١٦٥ - ١٦٩)، و"حياة الحيوان الكبرى": (٤/ ٢٩ - ٥٢).
(٤) ذكر المصنف نحو هذا المثال في "التنكيل ــ القائد": (٢/ ٣٢٧).
[ 5 جـ / ١٤ ]
وطالع ما قاله علماء الحيوان في النحل والنمل (^١).
* * * *