نفي المماثلة في وصفٍ لا يستلزم نفيها في غيره، ونفيها في وصفٍ بالنظر إلى مقداره لا يستلزم نفيها في مطلق الاتصاف به، ونفي المماثلة الحقيقية لا يستلزم نفي المماثلة العُرْفية. وقِس على ذلك.
ونفيها في وصفين قد يُعنى به نفيها في كل منهما، وقد يُعنى به نفيها في
[ 5 جـ / ١١١ ]
الجمع بينهما، وقد يُعنى به فيهما مجتمِعَين.
فإذا قيل: ليس بكر مثل زيد في العلم والعمل، فقد يُعنى به ليس مثله في العلم ولا في العمل، وقد يُعْنَى به أنه ليس مثله في الجمع بينهما، فإن زيدًا عالم عامل، وليس لبكرٍ إلا أحدهما، وقد يُعنى به أنه ليس مثله فيهما مُجْتمِعَين، بل إما أن لا يكون مثله في هذا، أو لا يكون مثله في هذا كما تقول: لا مثل لزيد في العلم والعمل، تريد أنه يوجد من يماثله في (^١) العلم، ولكن لا يماثله في العمل، ويوجد من يماثله في العمل، لكن لا يماثله في العلم.
وإذا قيل: ليس له مثل في وصفٍ ما، كان المعنى أن كل وصف يتصف به فلا يماثله فيه غيره.
[ص ٦٠] وفي بعض ما قاله نظر، وتعبيره بالمشاركة قد يوهم أنه يكفي في المماثلة مطلق المشاركة، وليس كذلك، كما يُعْلَم بتدبر كلامه، مع ما تقدم عن ابن بَرّي وهو أعرف باللغة.
وفي "الأساس" (^٢) للزمخشري: "مُثِلَ الشيءُ بالشيء: سُوِّي به وقُدِّر تقديرَه". ومثله في كلامهم كثير.
وفي "روح المعاني" (٧/ ٥١٠) (^٣): "نُسِبَ إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه. واعْتُرِض بأنه لا تعدّد حينئذٍ فلا تماثل، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا: زيد مثل عَمرو في الفقه إذا كان
_________________
(١) تكررت في الأصل.
(٢) (ص ٤٢٠).
(٣) جعل المؤلف الرقم في آخر النقل فقدمناه. وهو في الطبعة المنيرية: (٢٥/ ١٩).
[ 5 جـ / ١١٢ ]
يساويه فيه ويسدُّ مسدَّه، وإن اختلف في كثير من الأوصاف، وفي الحديث: "الحنطة بالحنطة مِثْلًا بمثل"، وأُريدَ به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها. ويمكن الجواب بأن مراده التساوي في الوجه الذي به التماثل".
والذي يتحرر أن المماثلة بين الشيئين على ضربين: تامة وخاصة. فالتامة هي تساويهما في كل ما يمكن التساوي فيه مع التغاير، والخاصة هي التساوي في أمر خاص، كالفقه والكيل في المثالين السابقين.
والخاصة تأتي في الكلام على وجهين:
الأول: وهو الشائع الذائع كالمثالين السابقين.
والثاني: كأن يقال: هذا الطفل مثل ذلك الإمام في أنه يعلم، يعني: أن كلًّا منهما يوصف بأنه يعلم مع صرف النظر عن مقدار العلم، ويقال: الذرة مثل الفيل في الجسمية، أي: أن كلًّا منهما له جسم، والبعوضة مثل جبريل في أن لكلٍّ منهما أجنحة.
إذا تقرر هذا فلا نزاع بين العقلاء أنه ليس لله ﵎ مِثْل مماثلة تامة، ولا خاصة بالوجه الأول، وأما بالوجه الثاني فإن الله ﵎ موصوف بأنه موجود، قائم بذاته، حي قدير مريد، عالم (^١) حكيم، سميع بصير، إلى غير ذلك، ويوصَف الإنسان وغيره بهذه الأوصاف أو بعضها.
ويمكن أن يؤتَى بعبارة تفيد تمثيلًا خاصًّا بالوجه الثاني، ولكن لم يأت في الشرع إذنٌ بذلك، ولا استعمله العلماء فيما أعلم.
_________________
(١) كذا، ولعله يريد "عليم" كما سبق مرارًا.
[ 5 جـ / ١١٣ ]