ومن الموانع عن ذلك أن العبارة قد توهم المماثلة التامة أو الخاصة بالوجه الأول، ويكون فيها سوء أدب، ألا ترى أن المصحف يُرَى، وأن القاذورات تُرى، ويمتنع أن تصاغ عبارة للتمثيل في ذلك، كأن يقال ــ وأستغفر الله ــ: كذا مثل المصحف في أن كلًّا منهما يُرى.
لكن المنع من التعبير لا يقتضي صحة نفي تلك المماثلة الخاصة بالوجه الثاني؛ لأنها في نفسها ثابتة، وإنما مُنِع التعبير لما تقدم، فتدبر.
وقد يقال: إن استعمال كلمة "مثل" في هذا الوجه الثاني توسّع، وإنما حق الكلمة أن تستعمل (^١) فيما قبله، وقد يستشهد لهذا بأنك إذا قلت: ههنا أشياء كثيرة مثل الفيل من بعض الوجوه، ثم تركت سامعيك يتفكرون، ثم قلت لهم: منها الماء؛ لأن الفيل موجود قائم بذاته مرئي ينتفع به الناس، والماء مثله في كل أمر من هذه الأمور، إذًا لوجدتهم ينكرون أن يكون هذا هو المعنى الظاهر من سؤالك.
[ص ٦١] إذا تقرر هذا فقول الله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] يمكن أن يقال في تفسيرها أقوال:
الأول: أن المراد المُماثلة التامة، وهي أنه ليس شيء يساويه في جميع الأمور التي قد تُتَوهَّم المساواة فيها مع التغاير.
وعلى هذا القول لا يكون في الآية إبطالٌ لوجود مماثلٍ مماثلةً خاصة، أي: من بعض الوجوه؛ لأن نفي المماثلة تامةً يصْدُق بانتفاء المماثلة في بعض الأمور؛ لأنها إذا انتفت المماثلة في بعض الأمور فقد انتفت المماثلة
_________________
(١) الأصل: "يستعمل" بالياء.
[ 5 جـ / ١١٤ ]
التامة، وصح نفيها.
قال الله ﵎: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٧ - ٨].
القول الثاني: أن المراد المماثلة في أمور مخصوصة.
وأولى ما يقال في تعيين هذه الأمور: إنها هي المذكورة قبل. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ٩ - ١١].
والذي يتلخص من ذلك
_________________
(١) بدون تعسُّف سبعة أوصاف: الأول: الولاية، أي: العناية بمن يتولاه، ويمكن أن يعبَّر عنها بالقدرة المطلقة على النفع والضُّر. الثاني: إحياء الموتى، أي: بمحض قدرته. الثالث: القدرة على كل شيء. الرابع: الحكم، أي: الاستحقاق المطلق للحكم بين الخلق. الخامس: فَطْر السموات والأرض. السادس: جَعْله من أنفس الناس والأنعام أزواجًا. السابع: ذَرْؤهم فيه، أي: تدبير النطفة حتى تكون حيًّا سويًّا. بدأ سبحانه فبين اختصاصه بكل وصف من هذه الأوصاف، ثم أكدَّ ذلك
[ 5 جـ / ١١٥ ]
بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: في شيء من ذلك.
واختصاصه سبحانه بهذه وبأوصاف أخرى ذُكِرت قبلها وبعدها يستلزم اختصاصه بأوصافٍ أُخَر، وأنه لا مثل له فيها أيضًا.
ومنها: استحقاق أن يعبد، وهو الألوهية، وهو المقصود من تلك الآيات، كما يُعْلَم من سياقها.
وما لم تستلزم الاختصاصَ به من الأمور، وأنه لا مِثْل له فيه= لا يلزم عدم الاختصاص به، ولا وجود المِثل فيه، فيحتاج النظر فيه إلى دليل آخر. ودعوى اللزوم في شيء يحتاج إلى بيان أن العرب الذين هم أول من خُوطب وبلسانهم نزل الكتاب كانوا يعرفون وجه اللزوم، وسنوضح هذا في موضع آخر، إن شاء الله تعالى.
وقد يقال: المعنى: ليس كمثله شيء في أمرٍ ما تُستَحَقّ به العبادة، فيعمّ ما تقدم وغيره، أو يقال: ليس كمثله شيء في صفةٍ من صفات الكمال، فيشمل ما تقدم وغيره. ومعروف في الكلام أنه إذا أتي بعبارة فيها نفي المماثلة مطلقًا، وكان المقام مقام المدح فُهِم [ص ٦٢] أن المراد المماثلة في الصفات التي يُمْدَح بها.
وعلى هذا فقد عُرِف أن صفاته ﵎ كلها صفات كمال، فيرجع المعنى إلى أنه لا شيء يماثله في صفة من صفاته، وتكون المماثلة هي الخاصة على الوجه الأول (^١).
_________________
(١) إلى هنا انتهى الموجود من هذا الكتاب.
[ 5 جـ / ١١٦ ]