يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾] [الأنعام: ١٢٥].
* * * *
فصل
انظر فيما حولك من الآنية والآلات، وكيف صُنعت، ولماذا صُنعت، وتفكَّر هل كانت بغير صانع؟ ثم إذا عرفت دلالتها على صانع فانظر دلالتها على معرفة الصانع وعقله وحكمته، ومقدار ما تدل على ذلك، حتى تنظر في آلة الخياطة، والساعة، والحاكي، الفوتغراف، والراديو، فإذا انتهيت منها فانظر في صانعها الغريب.
وانظر في خلق الإنسان وغيره من الحيوان، تجد أن بين الذكر والأنثى ميلًا طبيعيًّا إلى المقاربة، تكون نتيجته إلقاء النُّطفة في الرحم، والذَّكَر لم يكن يشعر مما تولَّدت نطفته، ولا كيف تولدت. وقد لا يشعر بأنه إذا قارب أنزل، ولا بأنه إذا أنزل كان لذلك نتيجة. وللأنثى
_________________
(١) فيما يقول التشريح الحديث مِبْيَض، من شأنه توليد البيض، ثم تكبر البيضة حتى تضيق عنها الغشاوة، فتنشق، فيسيل بها الدم حتى يلقيها في الرحم، وعن ذلك الدم يكون الحيض، وليس للأنثى شعور بشيء من هذا، بل جَهِلَه الفلاسفة وعلماء التشريح والطب السالفون. قالوا: وفي نطفة الذَّكَر حيوانات صغيرة جدًّا، لا تدرَك إلا بالمُكبِّرات، فإذا وقعت النطفة في المَمرّ إلى الرحم سعت تلك الحيوانات حتى يجيء واحد منها إلى البيضة فيغوص فيها، وبذلك تكون البيضة قد تلقَّحت، هذا والذكر والأنثى لا يشعران إلا بلذَّتهما التي قضياها.
[ 5 جـ / ٦٠ ]
فإن كانت الأنثى مما يلد كالمرأة تربَّت البيضةُ في الرَّحِم إلى أن يكون خلقًا سويًّا من جنس الأبوين، وإن كانت مما يبيض أُحيطت البيضة بذلك الغشاء الصُّلب المعروف، وألقتها الأنثى في مكان تعدُّه لذلك، ثم تحضنها إلى أن يخرج الفرخ حيًّا سويًّا كأبويه، وتخليق الجنين مما لا شعور للأبوين به ولا بكيفيته، ولولا العادة لما علما بأنه يكون ولد إلا أن يكون إلهام فوق العادة.
ثم يكون من الأولاد ذُكْران ومنها إناث، وليس للأبوين ولا لغيرهما خيرة في ذلك ولا شعور، ويكون لكل مولود يولد صورة تخالف صورة جميع الناس، ثم انظر في تفصيل الخِلْقة، ثم في تيسير الغذاء المناسب للطفل، ثم في طريق التغذية.
ثم ارجع إلى الشجر، توضع النواةُ في الطين، فلا تلبث أن تنشقّ وتنبت منها شجرة مثل أصلها، وانظر كيف تغذيتها، وكيف ثمرتها، إلى غير ذلك.
ثم انظر كيف تيسير ما يحتاج إليه الحيوان والنبات، فإن أشد ما يحتاج إليه هو الهواء والنور والحرارة المعتدلة، ثم الماء، ثم الغذاء، وتجد هذه الأشياء قد قُسِّمت في الوجود بحسب شدة الحاجة إليها، وقِسْ عليها غير ذلك.
ثم تدبَّر أمرَ الشمس مع الأرض، وكيف تتغير حتى يتكون الفصول، ثم انظر في السحاب والمطر والرياح، ثم سل الحُكَماء الكبار أولي العقول الكبيرة: هل استطاعوا أو يستطيعون أن يصنعوا ذرّة لها من الأعضاء والقُوى والإدراك والحياة ما لهذه الذرة التي نطؤها بأقدامنا كل يوم؟ أو بُرّةً تُغْرَس فتنبت كما ينبت البر؟ أم أن يُخَلِّدوا إنسانًا أو يبقوه معمرًا مائتي سنة مثلًا، أم
[ 5 جـ / ٦١ ]
أن يحيوا ميتًا؟ أم هل يعرفون ما هي الروح؟
ثم انظر في ارتباط الموجودات بعضها ببعض، كأنها أركان حكومة واحدة، أو أركان [ص ٣١] مصنع من المصانع، أو عائلة واحدة، أو أعضاء شخص واحد في التعاون والتباعد، أو آلات ساعة واحدة، فتجد تقدير الليل والنهار، والحر والبرد، والهواء والريح والمطر، والنور والظلمة، كلُّ ذلك على المقدار الصالح للحياة.
وتفكَّر في تلقيح الشجر على ما يصفه علماء النبات، وأن كثيرًا منه يكون بواسطة النحل والفراش التي تقع على الزهرة المذكرة لتمتصَّ عَسلَها، فيَعْلَق برجلها وريشها شيء من طلع تلك الزهرة، ثم تقع على زهرة أخرى مؤنثة لتمتصَّ عسلها أيضًا، فيقع ذلك الطلع، فيتم لقاح الزهرة.
وبالجملة، فمواضع العبرة في العالم كثيرة جدًّا.
فتفكَّرْ وتدبَّرْ أيضطرُّك رؤية ملعقة من حديد إلى العلم بأن لها صانعًا، وهكذا إلى الساعة، أتَضْطَرُّكَ معرفَتُها إلى العلم بأن لها صانعًا عاقلًا، له قدرة وحكمة تناسب ذلك الإحكام وتلك الدقة، ثم لا يَضْطَرُّك ما رأيتَ من خَلْق الإنسان والحيوان والنبات، وسائر أجزاء العالم، وذلك الإحكام المدهش والنظام التام إلى العلم بأن للعالم خالقًا حيًّا عليمًا قديرًا مريدًا حكيمًا مدبرًا.
أو لا يضطرُّك ما ترى من تدبير الأجَنَّة في بطون الأمهات، والنوى في باطن الأرض، وغير ذلك إلى أن تدبير الخالق مستمرّ لا يفتر؟ !
* * * *
[ 5 جـ / ٦٢ ]