وأُورِد (^١) عليه أيضًا: أن غايته إثبات واجب، وقد يُدَّعَى وجوب بعض الأشياء، فلا يحصل المقصود من الدلالة على وجود رب العالمين، فعادوا يستدلون على إمكان تلك الأشياء بنحو ما استدلَّ به المتكلمون على حدوثها.
* * * *
[ص ٢٦] فصل
الإنسان إذا رجع إلى نفسه وأنعم النظر في تفتيشها وجد عندها اطمئنانًا بأن للعالم ربًّا ليس من جنس ما تراه وتشاهده، وقد يشتبه عليك هذا الأمر في نفسك، فتجده أولًا كالشيء الذي يتراءى من وراء حجاب، بَيْنا تقول: قد أثبتُّه خَفِي عنك. أو كصورة قد نسيتها، فأنت تحاول أن تذكرها، فإنك قبل أن تذكرها قد يعرض لك أن تحسَّ كأنك قد ذكرتها ثم تغيب عنك، وهكذا في أشياء أخرى.
وقد تتصفّح ما استدلّ به المتكلمون والفلاسفة، فلا تطمئن إليه نفسك، ثم تراجعها في ذاتها، فتجد اطمئنانها بوجود الرب على ما كان، فتعلم أن هذا الاطمئنان لم يأتها من جهة أدلتهم، ويتأكد هذا عندك بأنك تجد كثيرًا من الناس لم يسمع بأدلة المتكلمين والفلاسفة، واطمئنان نفسه بوجود الرب ثابت، لعله أظهر من اطمئنانك.
وقد تعرض على نفسك الاستدلال بقول أسلافك في النسب والتعليم، فلا تجدها تطمئن إليه، وتعرض عليها أمورًا أخرى مضى عليها آباؤك
_________________
(١) قبلها في الأصل: "ولم"، ولا معنى لها، ولعله أراد أن يكتب شيئًا ثم أضرب عنه ونسي أن يضرب عليها.
[ 5 جـ / ٥٣ ]
وأسلافك، فلا تجدها تطمئن إليها، ثم تراجعها في اطمئنانها بوجود الرب، فتجده بحاله، فتعلم أن ذلك لم يأتها من جهة التقليد.
ويتأكد هذا عندك بما سبق (^١): أن القبائل المتوحشة حتى زنوج أمريكا يعتقدون وجود الرب، ويتأكد الأمران معًا بأن بعض الأفراد يكون ملحدًا قد ردَّ أدلة المتكلمين والمتفلسفين، واستدل بزعمه على نفي وجود الرب، وعلى أنه لا يمكن العلم بوجوده ولا عدمه، وسفَّه التقليد، وتعصَّب لذلك جهده، ثم هو يجد نحو تلك الطمأنينة من نفسه على ما حُكِي عنهم.
وأظهر ما تكون هذه الطمأنينة عندما يعتري الإنسان مرض أو خوف شديد، فيجدُ نفسَه تفزع إلى ذي قوة غيبية، تلتجئ إليه، وتستغيث به.
قال الله ﵎ (^٢): [﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ﴾ [يونس: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ [الروم: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
فإن قيل: فإننا نجد كثيرًا من الناس إذا اعتراه مرض أو خوف يفزع إلى غير الله ﷿، فقد يفزع النصراني إلى المسيح وأُمّه، والذين يعبدون الملائكة إلى الملائكة، وعوامّ المسلمين إلى من يعتقدون فيه الولاية من الموتى.
_________________
(١) (ص ٤٧ وما بعدها).
(٢) ترك المؤلف مكان الآيات فارغًا بمقدار ستة أسطر، فأكملناه بالآيات المناسبة للسياق.
[ 5 جـ / ٥٤ ]
فعنه جوابان:
الأول: أنّ يُدَّعى أن هذا إنما يكون عند المرض أو الخوف الخفيف، فأما عند الشدة الشديدة فإنما يفزعون إلى رب [ص ٢٧] العالمين، كما قَصَّه الله ﷿ عن المشركين (^١).
الثاني: أن الفزع إلى تلك الأشياء إنما هو من جهة اعتقاد علاقتها بالرب، فإن فُرِض أن من الناس من يزعم في بعض المخلوقات أنه هو الرب، فنفسه إنما فزعت إلى الرب، غير أنّ العادةَ والتقليد وجَّه الفزعَ إلى ذلك الشيء من جهة توهُّم أنه هو الرب.
وإيضاح ذلك أن القَدْر المغروس في النفس مجمل تتكاثف عليه الحُجُب، ومثال ذلك: امرأة عمياء أضلَّت ولدها صغيرًا، فهي تعرف أن لها ولدًا تحبه طبعًا، وتبحث عنه، فقد يجيئها إنسان بولد فيقول لها: هذا ولدك، فتأخذه وتضمّه وتشمّه على أنه ولدها لا ترتاب فيه.
وقد يأتيها إنسان ببعض ثياب ولدها، ويخبرها بذلك، فتأخذ ذلك الثوب فتشمه وتلتذّ به، وقد يأتيها بثوب لغير ولدها، فيزعم لها أنه ثوب ولدها، فيكون حالها كذلك، فهذا كله لا ينفي اعتقادها أن لها ولدًا، وأنها إنما تحبّ ولدها في نفس الأمر، وتحنو عليه، وتلتذّ بقربه.
* * * *
_________________
(١) في الآيات التي سلفت قريبًا. وفي قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ الآية [الإسراء: ٦٧].
[ 5 جـ / ٥٥ ]