نفسه ووجود منافٍ لا يَشعُر به المخاطَب لا يغير من المفسدة التي لأجلها قَبُح الكذب وحُرِّم شيئًا.
ألا ترى أنهم في الصورة الثامنة يفهمون مثل ما فهموه في السابعة، وتنبني على ذلك نفس المفاسد التي تنبني في الثامنة؛ كحزنهم وأسفهم واحتمال أن يبادروا فيقتلوا فلانًا أو بعض أقاربه، ثم يتسلسل القتل للأبرياء. وأن تموتَ أنتَ فُجاءَة، ولا يصل خبرٌ يخالف خبرك، فيقتسمون تَرِكَة صاحبهم، ويزوّجون نساءه، وغير ذلك.
* * * *
فصل
الكذب في نفسه قبيح محرَّم، فإذا ترتبت عليه مفسدة كان أشدَّ قبحًا وإثمًا، ولا يخلو عن مفاسد تترتب عليه. ولا يُعْهَد في الشرع ولا العرف الترخيص في شيء منه، إلا إذا كان فيه دفع لمفسدة لا تندفع إلا به، وظهر أنه لا يترتب عليه مفسدة أعظم منها.
[ص ١٠] ولكن مثل هذا إن جاز لعامة الناس فلا أراه يجوز للأنبياء بعد النبوة؛ لأن مبنى الرسالة على الصدق المحض.
فإن قيل: فقد ثبت في "الصحيح" (^١): "لم يكذب إبراهيم ــ ﵇ ــ إلا ثلاث كذبات" (^٢).
_________________
(١) البخاري رقم (٣٣٥٧)، ومسلم رقم (٢٣٧١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر كلام المصنف على هذا الحديث، والقول في تخريج كلمات إبراهيم في "التنكيل ــ القائد إلى تصحيح العقائد": (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٨).
[ 5 جـ / ١٩ ]
قلت: كلمات إبراهيم ــ ﵇ ــ تجمع أمورًا:
الأول: التورية القريبة.
الثاني: أنه كان في حاله ما يدعو إلى أن يُظَنّ أنه وَرَّى، وهذا شبه قرينة، وذلك كقوله لما سُئل (^١) عن امرأته: "هي أختي"، وأراد الأخوَّة في الدين. فإنه كان من عادة الجبار: الذي دخل بلاده أنه إذا سمع بامرأة جميلة لها زوج بدأ بقتل زوجها، ومن البيِّن أنّ الزوج إذا سُئل عن امرأته في مثل تلك الحال يحرص على تخليص نفسه من القتل، فإذا كان ممن لا يستحلّ صريحَ الكذب وَرَّى.
فتلك شِبْه قرينة تصرف عن الظاهر، ونحو هذا يأتي في الكلمتين الأخريين.
الأمر الثالث: أنه إنما بتلك (^٢) الكلمات يدفع مفاسد عظيمة، ولهذا قال النبي ﵌: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كُلُّهنّ في ذات الله".
وأقربها إلى حظ النفس قوله: "هي أختي"، ولم يقلها لمجرد حظ نفسه، بل حرص على بقائه حيًّا ليدعو إلى الله ﷿، ودفع بها ظلم القتل عن أولئك القوم.
ولا أستبعد أن تكون تلك الكلمات وقعت منه ــ ﵇ ــ قبل النبوة، ويدل على ذلك قول الله ﷿ فيما حكاه عن قومه بعد تكسير
_________________
(١) في الأصل: "سأل" وسيأتي على الصواب في أول الصفحة التالية.
(٢) غير محررة في الأصل وهكذا استظهرتها.
[ 5 جـ / ٢٠ ]
أصنامهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، والفتى: الشاب (^١)، والغالب أن النبوة تكون بعد الأربعين. وعلى ذلك أدلة أخرى من كيفية محاورته مع قومه، فكأنه ــ ﵇ ــ أدرك التوحيد بصفاء فطرته وذكاء قريحته.
ومع هذا كله فإن النبي ﵌ سماها: "كذبات"، وبيَّن أنه لم يقع من إبراهيم مما يطلق عليه الكذب غيرها.
وثبت في "الصحيح" (^٢) أن إبراهيم ــ ﵇ ــ يعتذر عن الشفاعة يوم القيامة بهذه الكلمات، فيعدُّها يومئذٍ خطايا، كما يعتذر آدم بأكله من الشجرة، ويعتذر موسى بقتله نفسًا، وهذا مما يوضِّح شدة بُعدِ الأنبياء عن الكذب، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
* * * *
_________________
(١) انظر "لسان العرب": (١٥/ ١٤٥) ويطلق الشابّ على القويّ المكتمل، وعلى الحَدَث السنّ، وسياق الآية يدل أنهم أرادوا الغضّ منه وتصغيره، فكأنهم أرادوا المعنى الثاني. وانظر "منهاج السنة": (٥/ ٧٠). لكن أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر ــ كما في (الدر المنثور: ٤/ ٣٩٠) ــ عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيًّا إلا وهو شاب، وقرأ هذه الآية وغيرها.
(٢) في حديث الشفاعة الطويل عند البخاري رقم (٤٧١٢)، ومسلم رقم (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ 5 جـ / ٢١ ]