فأما حديثُ أبي هريرة، فيرويه عنه اثنان؛ الأول: مكحول، عنه. أخرجه أبو داود (٥٩٤، ٢٥٣٣) - ومن طريقه البيهقي في السنن الكبير (٣/ ١٢١)، ومعرفة السنن والآثار (٥٩٢٠)، وشعب الإيمان (٩٢٤٢) - والدارقطني (١٧٦٨) - ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤٢٢) (٧١٩)، وفي (التحقيق في أحاديث الخلاف) (٧٢٦)، والبيهقي في السنن الكبير (٤/ ١٩) - وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٩/ ١٨٣) كلهم من طريق ابن وهب، عدا ابن عساكر فمن طريق عبد الله بن صالح، كلاهما عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر». هذا لفظ أبي داود بتمامه في الموضع الثاني، وأما الموضع الأول فأخرجه مختصرًا، ولفظ الدارقطني: «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر، وصلوا على كل برٍّ وفاجر، وجاهدوا مع كل برٍّ وفاجر».
وقال الدارقطني عقبه: مكحول لم يسمع من أبي هريرة، ومن دونه ثقات. وكذا أعله ابن رجب في (فتح الباري) له (٤/ ١٨٤).
قُلْتُ: وأَعَلَّه ابن الجوزي بمعاوية بن صالح، وقال: قال الرازي - يعني
[ ٨١ ]
أبا حاتم: لا يحتج به. مع ما فيه من الانقطاع، وتعقبه ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٢/ ٤٧٩)، وقال: إنَّه - يعني معاوية بن صالح - من رجال الصحيح (^١).
قلت: كلام أبي حاتم الرازي بتمامه في «الجرح والتعديل» لابنه (٨/ ٣٨٣) قال: صالح الحديث، حسن الحديث، يُكتب حديثه، ولا يحتج به.
قلت: فهو ثقة، إلا إذا انفرد فله مناكير، أما إطلاق القول بعدم الاحتجاج به، فبعيد، والله أعلم.
وقال البيهقي في «المعرفة»: وهذا إسناد صحيح، إلا أن فيه إرسالًا بين مكحول وأبي هريرة.
وقال في (السنن الكبير) (٤/ ١٩): إلا أنَّ فيه إرسالًا كما ذكره الدارقطني.
وقال الترمذي في «جامعه» تحت حديث آخر (^٢) (٣٦٠١): ليس إسناده بمتصل؛ مكحول لم يسمع من أبي هريرة (^٣).
قلت: وله طريق آخر عن مكحول، أخرجه الدارقطني (١٧٦٤) - ومن
_________________
(١) تقدم ترجمته في حديث: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا …».
(٢) هو حديث: قال لي رسول الله ﷺ: «أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله … .».
(٣) انظر جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ص ٢٨٥ (٧٩٦)، وتحفة التحصيل لأبي زرعة العراقي ص ٣٦٢.
[ ٨٢ ]
طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٢٢) (٧١٨)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٢٥) من طريق بقية بن الوليد، ثنا الأشعث، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن أبي هريرة، مرفوعًا، بلفظ: «الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم؛ برا كان أو فاجرًا، وإن هو عمل الكبائر …». إلخ.
قال ابن الجوزي عقبه: وفي طريقه أشعثُ، وهو مجروح، وبقية لا يقوم على روايته، وقال الدارقطني. مكحول لم يلق أبا هريرة.
أما رواية الثاني، فهي رواية أبي صالح السَّمانِ عنه، أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٥٠٢)، وابن حبان في «الضعفاء» (^١) - كما في «التلخيص الحبير» (٢/ ٣٥) - والطبراني في «الأوسط» (٦٣١٠)، والدارقطني (١٧٥٩) - ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٢٢) (٧١٧)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٢٤) - وأبو الفضل الزهري في حديثه (١٢٣)، وأبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني في «الحجة في بيان المحجة» (٣٩٣) كلهم من طريق عبد الله ابن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السَّمانِ، عنه به، مرفوعا بلفظ: «سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم، فإن أحسنوا
_________________
(١) لم أجده في المطبوع.
[ ٨٣ ]
فلكُم ولَهُم، وإنْ أساءوا فلكم وعليهم» (^١).
قلتُ: وهذا الطريق فيه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى بن عروةَ بنِ الزبيرِ المدنيُّ، قال ابنُ أبي حاتمٍ في «الجرح والتعديل» (٥/ ١٥٨): سألتُ أبي عنه فقال: متروك الحديث، ضعيفُ الحديث جدًّا.
وقال ابنُ حبان في «المجروحين» (٢/ ١١): كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي عن هشامِ بنِ عروةَ ما لم يُحدِّث به هشامٌ قطُّ، لا يحلُّ كتابةُ حديثه، ولا الروايةُ عنه.
وقال العقيليُّ في «الضعفاء الكبير» (٢/ ٣٠٠) (٨٧٤): عبدُ اللهِ بنُ يحيى بن عروةَ بن الزبيرِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، لا يُتابع على كثيرٍ من حديثه.
قلتُ: وبه أعلَّ ابنُ الجوزيُّ هذا الطريق في «العلل المتناهية» (١/ ٤٢٥)
وقال الدارقطنيُّ في «سننه» عقب حديثٍ آخر (^٢) (٣٤٦٢): تفرد به عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، عن هشامٍ، وهو كثيرُ الخطأِ على هشامٍ، وهو
_________________
(١) لابد من التنبيه على أن آخر الحديث: «فإن أحسنوا … . إلخ. قد صح من وجه آخر عند أحمد ٢٨/ ٥٣٩ (١٧٣٠٥)، والبخاري (٦٩٤)، وأبي داود (٥٨٠)، وابن ماجه (٩٨٣)، وابن خزيمة (١٥١٣)، وابن حبان (٢٢١٨)، من حديث أبي هريرة عند البخاري بنحوه، وعند الباقي من حديث عقبة بن عامر، بنحوه أيضًا.
(٢) وهو حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ أتي برجل يسرق الصبيان، ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى، فأمر به النبي ﷺ، فقطعت يده.
[ ٨٤ ]
ضعيف الحديث.
وقال ابن عديّ في «الكامل» (٤/ ١٨٤): ولعبد الله بن محمد بن عروة غيرُ ما ذكرتُ من الحديث، وأحاديثه عامتها مما لا يتابعه الثقاتُ عليه، ولم أجد من المتقدمين فيه كلاما، ولم أجد بدا من ذكره؛ لما رأيتُ من أحاديثه أنها غيرُ محفوظة؛ لما شرطت في أول الكتاب.
قلت: وكأن ابن عديّ، ﵀، لم يطلع على كلام أبي حاتم الرازي والعقيلي، والله أعلم.
وقال أبو نعيم الأصبهاني في «الضعفاء» (١٠٧): صاحب مناكير وبواطيل (^١).
_________________
(١) انظر ميزان الاعتدال ٢/ ٤٨٦.
[ ٨٥ ]