قلت: يتبين من خلال هذه الروايات كلها أن كل هذه الأحاديث لا تخلو من ضعف، بل ومن ضعف شديد في كثير من الروايات، كما صرح الحفاظ ﵏ منهم العقيلي، حيث قال في «الضعفاء الكبير» (٣/ ٩٠): وليس في هذا المتن إسناد يثبت.
وقال الدارقطني: ليس فيها شيء يثبت.
وقال البيهقي (٤/ ١٩): قد رُوِيَ في الصلاة على كل بر وفاجر، والصلاة على من قال: لا إله إلا الله، أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف.
وقال ابن الجوزي في «العلل» (١/ ٤٢٤): هذه الأحاديث كلها لا تصح.
وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٤٦٢): وبالجملة، فهذا الحديث من كل طرقه ضعيف كما قدمته أولًا.
وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٨): إن هذا الحديث لم يثبت عن النبي ﷺ.
وقال الصنعاني في «سُبل السلام» (٢/ ٤٢٦): … وهي أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر، إلا أنها كلها ضعيفة … إلخ.
[ ١٠٨ ]
وقال بنحو ذلك العلامة الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٤٢٨).
هذا ومع أنَّ أهل العلم حكموا على هذه الأحاديث بالضعف والوهن، وأعلوا طرقها كلها، كما سبق ذكره، إلا أنَّ العلماء اتفقوا على مضمونها ومعناها، وهي جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر.
قال الإمام ابن أبي زمنين تخلله في «أصول السنة» (ص ٢٨١): ومن قول أهل السنة أن صلاة الجمعة والعيدين وعرفة مع كل أمير بر أو فاجر، من السنة، والحق أنه مَنْ صلى معهم ثم أعادها فقد خرج من جماعة مَنْ مَضَى من صالح سلف هذه الأمة؛ وذلك أنَّ اللهَ ﵎ قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعُ﴾ [الجمعة: ٩]. وقد علم جل ثناؤه حين افترض عليهم السعي إليها وإجابة النداء لها أنه يصليها بهم من مجرمي الولاة وفساقها من لم يجهله، فلم يكن ليفترض على عباده السعي إلى ما لا يجزيهم شهوده ويجب إعادته، وقضاتهم وحكامهم ومن استخلفوه على الصلاة، والصلاة وراءهم جائزة.
وقال الإمام الإسماعيلي تخلله في (اعتقاد أئمة الحديث) (ص ٧٥): ويرون - يعني أهل السنة - الصلاة؛ الجمعة وغيرها، خلف كل إمام مسلم؛ برا كان أو فاجرًا، فإنَّ اللَّهَ ﷿ فرضَ الجمعة وأمر بإتيانها فرضا مطلقا مع علمه تعالى بأنَّ القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثن وقتًا دونَ وقت، ولا أمرًا بالنداء للجمعة دون أمر، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جورةً، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم، ولا قتال الفتنة، ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام
[ ١٠٩ ]
العادل إذا كان ووجد على شرطهم ذلك.
وقال الإمام اللالكائي ﵀ في «اعتقاد أهل السنة» (١/ ١٦٠ - ١٦١): والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر، لا يُترك.
وقال أيضًا ناقلًا عن الثوري، من عقيدة أهل السنة، والثوري يحدِّثُ شعيب بن حرب: يا شعيب، لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلفَ كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة … قال شعيب: فقلتُ لسفيان: يا أبا عبد الله، الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة.
وقال الإمام الصابوني ﵀ في «عقيدة السلف الصالح أصحاب الحديث» (ص ١٠٦): ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم؛ برًا كان أو فاجرا، ويرون جهاد الكفرة معهم، وإن كانوا جورة فجرة … إلخ كلامه ﵀.
وقال عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي ﵀ في «اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل» (ص ٣٠٤ - ٣٠٥): وقال أحمد بن حنبل ﵁: وأرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج - يعني الجمعة والعيدين … إلخ (^١).
_________________
(١) انظر فتح الباري لابن رجب ٤/ ١٨٤، ١٨٧، والشرح الكبير ٢/ ٢٤ - ٢٥، والروض المربع ١/ ٢٤٩.
[ ١١٠ ]
وقال ابن قدامة في (المغني) (٢/ ٢٧): وقد كان أحمد يشهدها - يعني الجمعة والعيدين - مع المعتزلة، وكذلك العلماء في عصره.
وقال الإمام الطحاوي في عقيدته: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى مَنْ ماتَ منهم.
قال العلامة ابن أبي العز في شرحه على الطحاوية (ص ٣٦٥): اعلم، رحمك الله وإيانا: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقًا، باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه؛ كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإنَّ المأموم يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإنَّ الصحابة ﵃ كانوا يصلُّونَ الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجَّارِ ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁، كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر … والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلْفَهُ لم تبطل صلاته، لكن إنما كُره من كرة الصلاة خلفَهُ؛ لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب … وأما إذا كان ترك الصلاة خلفَهُ يفوّتُ المأموم الجمعة
[ ١١١ ]
والجماعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃ … إلخ. كلامه ﵀، وهو كلام نفيس جدا (^١).
قلت: وأخرج البخاري في (التاريخ الكبير) (٦/ ٩٠) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢٢) عن عبد الكريم البكاء قال: أدركتُ عشرة من أصحاب النبي ﷺ كلهم يصلُّونَ خلف أئمة الجور. وإسناده صحيح.
قال الشوكاني رحمَةُ الله في (نيل الأوطار) (٣/ ١٩٩) بعد إيراد هذا الأثر: قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومَنْ تبعهم من التابعين إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا، على الصلاة خلف الجائرين؛ لأنَّ الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم؛ في كلِّ بلدة فيها أميرٌ.
وأخرج ابن أبي شيبة في (المصنَّف) في باب الصلاة خلف الأمراء (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، والبيهقي في سننه الكبير (٣/ ١٢١) عن عمير بن هاني قال: شهدت ابن عمر، والحجاج مُحاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. وإسناده صحيح أيضًا.
وقد أورد ابن أبي شيبة في «مصنفه» آثارا كثيرة تدل على ذلك، منها ما سيأتي، وسأذكُرُ مَنْ أخرجها معه.
_________________
(١) وانظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٢٣/ ٣٥١).
[ ١١٢ ]
أخرج الشافعي في الأم (١/ ١٥٨) - (١٥٩) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢٢) عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كانا يصليان خلفَ مَرْوانَ قال: - أي: جعفر بن محمد - لأبيه فقال: ما كانا يصليان إذا رجعا إلى منزلهما؟ فقال: لا والله ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة.
وأخرج الشافعي (١/ ١٥٨) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢١) أَنَّ عبد الله ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير، والحجاج بمنى، فصلى مع الحجاج.
ولكن في سنده مسلم بن إبراهيم الزُّنْجِيُّ، وفيه ضعف.
قلتُ: لكن صلاته خلف الحجاج ثابتة من وجوه أخرى، تقدم بعضُها.
وأختم الكلام عن هذا الحديث، وما يتعلق به، بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٢) وما بعدها، قال: ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه؛ كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإنَّ المأموم يصلي خلْفَهُ عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم؛ ولهذا قالوا في العقائد: إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام؛ برا كان أو فاجرًا، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد، فإنها تصلى خلفه الجماعات.
ثم قال ﵀: والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإنَّ الصحابة كانوا
[ ١١٣ ]
يصلُّونَ الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون، كما كان ابنُ عمر يصلي خلف الحجاج، وابن مسعود وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر … وفي «صحيح البخاري» (^١) أن عثمان ﵁ لما محصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان، فقال: إِنَّكَ إمامُ عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة. فقال: يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. ومثل هذا كثير.
ثم قال ﵀: وأما الصلاة خلف المبتدع، فهذه مسألة فيها نزاع وتفصيل، فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تُقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين، وكصلوات الحج، خلف إمام الموسم، فهذه تفعل خلف كل برّ وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما تدَعُ مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم، ممن لا يرى الجمعة والجماعة إذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد، فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خيرٌ من صلاته في بيته منفردًا؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقا. إلخ كلامه ﵀، فارجع إليه إن شئت فإنه مفيد للغاية، والله أعلم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩٥). تحت باب: إمامة المفتون والمبتدع. ثم قال: وقال الحسن: صل وعليه بدعته. ثم أورد أثر عثمان.
[ ١١٤ ]