وهنا مسألة: هل الإجماع لابد أن يستند إلى دليل شرعي من كتاب أو سنة؟
قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين، ﵀، في «شرح نظم الورقات» (ص ١٧٠): … . وهذا يدل على أن إجماع هذه الأمة حجةٌ (^١).
ولكن هل لابد لكل إجماع من دليل؟ (^٢)
نقول: نعم، لابد أن يكون لكل إجماع مستند من القرآن أو السنة أو تعليل؛ ولهذا أنكر بعض العلماء ﵏ الإجماع دليلًا رابعا، وقال: إن الإجماع لابد أن ينبني على دليل سابق. لكن قد يخفى مستند الإجماع على المستدل، ولا يكون أمامه إلا الإجماع، وقد لا يخفى على المستدل، لكن يأتي بالإجماع لقطع النزاع، يعني مثلًا … .. فلا يستطيع أحد أن ينازع، وإلا فكل إجماع له مستند، إما أن يكون ظاهرًا
_________________
(١) = (١/ ٣١٥): عمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكما بصحته، ولا مخالفته قدحًا في صحته ولا في روايته. اهـ.
(٢) لأن الأمة إذا اجتمعت على شيء فهي معصومة من الخطأ، كما سبق أن ذكرنا ذلك عن الشاطبي ﵀ في كتابه (الموافقات) ٢/ ٩١، وذلك في مقدمة هذا الكتاب.
(٣) ينبغي أن يقدم كلام العلماء المتقدمين، ولكني بدأت بكلام الشيخين رحمهما الله؛ لأجعله كالمفتاح للمسألة على شكل سؤال ثم الجواب مفصلا من كلام المتقدمين.
[ ٧٣ ]
بينا، وإما ألا يكون ظاهرًا. اهـ كلامه ﵀.
وقال شيخ شيخنا العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في رسالته اللطيفة الجامعة في أصول الفقه المهمة (ص ٩٥/ ٩٦): ولابد أن يكون هذا الإجماع مستندا إلى دلالة الكتاب والسنة. اهـ. كلامه ﵀.
وذكر ذلك الإمام الشافعي في «الرسالة» (ص ٤٤١) فقال: أما ما اجتمعوا - أي الناس - فذكروا أنه حكاية عن رسول الله، فكما قالوا، إن شاء الله.
وأما ما لم يَحْكُوهُ، فاحتمل أن يكون قالوا حكاية عن رسول الله، واحتمل غيره، ولا يجوز أن نَعُدَّه له حكايةً؛ لأنه لا يجوز أن يحكي إلا مسموعًا، ولا يجوز أن يحكي شيئًا يتوهم، يمكن فيه غير ما قال.
فكنا نقول بما قالوا به اتباعًا لهم، ونعلم أنهم إذا كانت سنة رسول الله لا تعرب عن عامتهم، وقد تعرب عن بعضهم، ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف لسنة رسول الله، ولا على خطأ، إن شاء الله.
وقال أبو الوليد الباجي في «إحكام الفصول في أحكام الأصول» (ص ٤٥٨): إذا ثبت أن إجماع الأمة حجة شرعية فإنه لا يصدر إلا عن دليل سمعي أو عقلي.
قلت: قوله ﵀: سمعي أو عقلي. يتوافق مع قول شيخنا العلّامة ابن عثيمين السابق ذكره: لكل إجماع مستند من القرآن أو السنة أو تعليل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى»
[ ٧٤ ]
(١٩/ ١٩٥): فلا يوجد قط مسألةٌ مجمع عليها إلا وفيها بيانٌ من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص … إلخ.
ثم أخذ، ﵀، يضرب بعض الأمثلة، ثم قرر أنه ثبت باستقراء موارد الإجماع أن جميع الإجماعات منصوصة.
ثم قال ﵀ (١٩/ ٢٠١): وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلابد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أنَّ ذلك منسوخ، فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ، فهذا لا يوجد قط، وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه، وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك. اهـ. كلامه ﵀.
وقال ابن حزم ﵀ في «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ٥٢٥): وكذلك إجماع أهل الإسلام كلهم جنّهم وإنسهم في كل زمان وكل مكان .. فنحن أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الإجماع كذلك، والحمد لله رب العالمين، ثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء الإسلام حجة وحق مقطوع به في دين الله ﷿، ثُمَّ اختلفنا، فقالت طائفة: هو شيء غير القرآن، وغير ما جاء به النبي ﷺ، لكنه: أن يجتمع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه، لكن برأي منهم، أو بقياس منهم عن منصوص، وقلنا نحن: هذا باطل، ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الأمة على غير نص؛ من قرآن أو سنة عن رسولِ اللَّهِ ﷺ … إلخ.
[ ٧٥ ]
قُلْتُ: لكن لو حصل الإجماع من خلال القياس أو غيره من أصول الشريعة فهو صحيح، خلافا لابن حزم والظاهرية، الذين ينكرون القياس ويرفضونه. وقد قال الزهري - في مسألة قضاء الصلاة والصيام للحائض - قال: تقضي الحائض الصوم، ولا تقضي الصلاة. قال معمر: عمن قال؟ قال: اجتمع الناس عليه، وليس في كل شيء نجد الإسناد (^١).
وقال الآمدي ﵀ في «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٢٠٣): ففيه تجويز وقوع الإجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من صحة الإجماع .. وإن كان الإجماع لابد له من دليل فلا نسلم انحصار دليله في الكتاب والسنة ليصح ما ذكروه؛ لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس والاستنباط على ما يأتي بيانه.
وقال الصنعاني ﵀ في «إجابة السائل شرح بغية الأمل»
(ص ١٤٩): … والحالة أنه لابد للإجماع من دليل يستند إليه أهلُ الإجماع، فلا يقع إلا عن دليل شرعي؛ لما علم من أن الأحكام الشرعية لا تكون إلا عن مستند، فإنه لا يقدم مجتهد والأمة على حكم لا مستند له، ولكنه لا يلزمنا معرفة مستندهم؛ لأنه إنما يلزمنا معرفة دليل الحكم مثلا، وقد قام الإجماع على الحكم الواقع فيه الإجماع، وحينئذ فلا يلزمنا إلا معرفةُ الإجماع؛ لأنه قد صار الدليل في ذلك الحكم، ولذا قلنا: وإن جهلناه، ثم
_________________
(١) انظر الاستذكار لابن عبد البر (١/ ٣٣٩)، وشرح ابن بطال للبخاري (١/ ٤٤٨)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ٥٠٢). وأثر الزهري، أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٠).
[ ٧٦ ]
المستند يكون من الكتاب العزيز، أو السنة النبوية، أو القياس … إلخ كلامه.
وقال الشمعاني تخلله في «قواطع الأدلة» (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) بعد أن نقل عن جماعة كالنظام وغيره أنهم لا يرون الإجماع إلا بدليل ومستند، وأن إجماع الصحابة ومن دونهم ليس بحجة بذاته - عندهم - وأنه يجوز الضلالة على الأمة - عندهم - وإذا جاز الضلالة عليهم لم يكن إجماعهم حجة! فأخذ يرد عليهم، إلى أن قال السمعاني: … وأما حجتنا فتتعلق أولا بالكتاب، وهو قوله ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والشاهد أتم لمن يكون قوله حجة، فقد وصف الأمة بالعدالة والشهادة، فدل أن قبول قولهم واجب؛ لأنه لا يجوز أن يصفهم بالعدالة فيجعلهم شهداء على الناس، ثم لا يقبل قولهم ولا يجعله حجة. اهـ. قُلْتُ: هذا صحيح لا غبار عليه، وإجماع الصحابة يكون عن دليل؛ إما من كتاب، أو سنة، أو قياس صحيح معتبر عندهم، وعلى هذا فإجماعهم صحيح لا مطعن فيه؛ لأنهم لا يجتمعون على باطل وضلالة أبدا، فهم معصومون من الخطأ إذا اجتمعوا على حكم شرعي، كما سبق وأن بينتُ ذلك، والله أعلم.
- أما عن حديثنا هذا: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب …». فقد نقل الإجماع عير واحدٍ من أهل العلم على مضمونه ومعناه.
وقال الصنعاني تخلله في «سبل السلام» (١/ ٢٢): ولكن هذه الزيادة قد
[ ٧٧ ]
أجمع العلماء على القول بحكمها، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فعيرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس، فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه لا هذه الزيادة.
وقال الطحاوي ﵀ في (شرح المعاني) (١/ ١٢): وكان من الحجة في ذلك أيضًا أنهم قد أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البئر فغلبت على طعمِ مائها أو ريحه أو لونه أن ماءها قد فسد.
وقال القاضي عياض ﵀ في (إكمال المُعْلِمِ شرح صحيح مسلم) (٢/ ٥٩): وأجمعوا أن ما تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة أنه نجس لا يجوز استعماله.
وقال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٨/ ٢٣٦): وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسة لا يضره وأنه مطهر لها، وطاهر في ذاته، إن لم يتغير بها طعمه أو لونه أو ريحه.
وقال في موضع آخر (١/ ٣٣٢): ومن ذلك أيضًا قوله ﷺ إذ سُئل عن بئر بضاعة … فقال: «الماء لا ينجسه شيء». يعني: ما لم يغيره أو يظهر فيه، والله أعلم؛ لأنه قد رُوي عنه ﷺ: «الماء طهور لا يُنجسه شيء، إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو لونه أو ريحه». وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة، وإذا كان هذا هكذا، فقد زال عنه اسم الماء مطلقا.
وقال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (١/ ٢٣): واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة، إما طعمه، أو لونه، أو ريحه، أو
[ ٧٨ ]
أكثر من واحدة من هذه الأوصاف، أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور، واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغيّر أحد أوصافه، وأنه طاهر، فهذا ما أجمعوا عليه من هذا الباب.
[ ٧٩ ]