ولكن صح عن عبد الله بن سلام؛ فيما أخرجه البخاري (٣٨١٤) من طريق أبي بردة قال: أتيتُ المدينة فلقيتُ عبد الله بن سلام ﵁ فقال: ألا تجيءُ فَأُطْعِمَكَ سَويقًا وتمرًا، وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حِمْلَ تبن، أو حمل شعير، أو حِمْلَ قَتْ (^١)، فلا تأخذه فإنه ربا.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٦٣) عند قوله: «فإنه ربا»: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه. اهـ كلامه ﵀.
قلت: ويدلُّ على ما ذكر الحافظ من الاشتراط حتى يكون ربا؛ أن النبي ﷺ قال: (إن خياركم أحسنكم قضاء). وذلك أن رجلًا كان له على النبي ﷺ سن من الإبل فجاءه يتقاضاه، فقال: «أعطوه». فطلبوا سِنَّهُ، فلم يجدوا له إلا سنا فوقها. فقال: (أعطوه). فقال: أوفيتني، أوفى الله بك.
فقال ﷺ: «إن خياركم …». فذكره.
_________________
(١) القت: بفتح القاف وتشديد المثناة، وهو علف الدواب. قاله ابن حجر في الفتح.
[ ١٢٨ ]
وفي لفظ: «فإنَّ خيركم أحسنكم قضاء».
أخرجه البخاري (٢٣٠٥، ٢٣٠٦، ٢٣٩٠)، ومسلم (١٦٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.
وكذا حديث جابر ﵁: أتيتُ النبيَّ ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني. وهو عند البخاري (٤٤٣)، ومسلم (٧١٥).
وفي صحيح مسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع: أنَّ رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجلَ بَكْرَهُ، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء».
قال النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٣٧): يستحبُّ لمن عليه دين من قرض وغيره، أن يرد أجود من الذي عليه، وهذا من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة؛ فإنه منهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما كان مشروطًا في عقد القرض. اهـ.
قلت: فَمِنْ ثمَّ إذا اشترط زيادة على قرضه فإنه يكون ربا بلا خلاف بين أهل العلم، على مقتضى معنى هذا الحديث الذي معنا، وهي قاعدة فقهية: كل قرض جر منفعة فهو ربا. فالحديث وإن كان ضعيفا لا يثبت، إلا أن العلماء عملوا به، وأجمعوا على مقتضاه.
قال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٤٣٦) (^١): وكلُّ قرض شرط فيه أن
_________________
(١) انظر الشرح الكبير ٤/ ٣٦٠ للإمام عبد الرحمن بن قدامة، فإنه نص على ذلك أيضا.
[ ١٢٩ ]
يزيده فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. اهـ.
ونقل كلام ابن المنذر، الإمام ابن القيم في (تهذيب سنن أبي داود) (٩/ ٢٩٦) وأقره.
قلت: وكلام ابن المنذر في كتابه (الإجماع) (ص ٩٥) قال: وأجمعوا على أنَّ كل قرض جر نفعًا مشروطًا فإنه ربا (^١).
وقال أبو جعفر الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٩٩): … ثم حُرِّمَ الربا بعد ذلك؛ وحُرِّمَ كلُّ قرض جرَّ نفعًا، وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن. اهـ كلامه. ونقله عنه بدر الدين العيني في (عمدة القاري) (٩/ ٣٠٤).
قلت: نفقة الرهن على الراهن، وليس للمرتهن استعمال الرهن، وذلك جزيًا على القاعدة التي ذكرها: كل قرض جر نفعًا فهو ربا. والله أعلم.
وبنحو ذلك قال القرطبي في (تفسيره) (٣/ ٤١٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَرِهَنُ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقال ابن رشد في (البيان والتحصيل) (١٠/ ٥٦٥): … لأنَّ تعجيل بعض الحقِّ قبل حلول أجله على أن يوضع عنه بقيتُه؛ سلف جر منفعةٌ، وذلك
_________________
(١) انظر تشنيف الأسماع ببعض مسائل الإجماع ص ٤٣ لوليد بن راشد السعيدان.
[ ١٣٠ ]
ربًا عند مالك وعامة أهل العلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٣١، ٤٥٦): والقرض إذا جر منفعة كان ربا.
وقال في (٢٩/ ٣٣٣): وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرض كان ذلك حراما.
وقال ابن هبيرة في «الإفصاح» (١/ ٣٦١ - ٣٦٢): واختلفوا فيما إذا اقترض رجل من آخر قرضًا؛ فهل يجوز له أن ينتفع من جانبه بمنفعة لم تجرِ بها عادة، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا يجوز، وهو حرام. وقال الشافعي: إذا لم يشترط جاز، واتفقوا على تحريم ذلك مع اشتراطه، وأنه لا يحل ولا يسوغ بوجه ما.
وقال المرداوي في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف»: أما شرط ما يجر نفعًا، أو أن يقضيه خيرًا منه، فلا خلاف في أنه لا يجوز. اهـ.
وقال الشوكاني «في نيل الأوطار» (٥/ ٢٨٨): وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقا.
وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ في «فتاويه» (١٩/ ١٢٦): وكل قرض شُرط فيه النفع فهو محرم بالإجماع.
وكذا قالت اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية في أسئلة وجهت إليهم برقم: (١٤٩٢، ١٧٣٩، ٢٠٢٤٤) وغيرها، قالوا: وقد أجمع العلماء على أن كل قرض جرّ منفعةٌ فهو ربا.
[ ١٣١ ]
وكذا قرَّر المجمع الفقهي في قراراته (٣/ ٩) قرار رقم (٦٦) (٤/ ٧).
قلت: فخلاصة ما في الحديث أنه على الرغم من عدم صحته وثبوته من حيث الأسانيد، إلا أنه صحيح المعنى والمضمون، عليه العمل عند العلماء، وهي قاعدة مجمع عليها، وذكرها جمّ غفير من الفقهاء في كتبهم، يستشهدون بها ويذكرونها على أنها قاعدة مسلَّم بها، ومنهم من ذكر الإجماع عليها، وقد ذكرتهم فيما سبق، والله الموفق لا ربَّ سواه.
[ ١٣٢ ]