قلت: تبيَّن من خلال عرض هذه الروايات ضعف الحديث، بل الضعف الشديد، ومع ذلك فإن العمل عليه ثابت عن سلفنا الصالح، رضوان الله عليهم ورحمته - وعلى رأسهم أصحاب رسول الله ﷺ؛ فقد ثبت عن جماعة أنهم قالوا بلفظ هذا الحديث، أو بمعناه.
فمن ذلك؛ ما أخرجه البيهقي في «السنن الكبير» (٥/ ٣٥٠) بسندين صحيحين عن ابن عباس ﵄:
أما الأول: فمن طريق سالم بن أبي الجعد، قال: كان لنا جار سماك، عليه لرجل خمسون درهمًا، فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس، فسأله عن ذلك؟ فقال: قاصه بما أهدى إليك.
وأما الثاني: فهو من طريق أبي صالح، عنه، أنه قال: في رجل كان له على رجل عشرون درهما، فجعل يهدي إليه، وجعل كلما أهدى إليه هدية باعها، حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهما؟ فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم.
وهذا أخرجه أيضًا ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٢/
_________________
(١) = القرض، جريًا على هذه القاعدة الفقهية المشهورة عند العلماء: «كل قرض جر نفعًا فهو ربا». أما إذا لم يشترط فليست بربا، والله أعلم.
[ ١٢٥ ]
١٩٥) (١٥٠٥) وبوَّبَ عليه فقال: مسألة: لا يحلُّ للمقرض أن ينتفع من المقترض منفعة لم تجر عادته بها قبل ذلك، وقال الشافعي: يجوزُ ما لم يشترط ذلك. وعن أحمد مثله. اهـ.
وثبت عن ابن عمر ﵄، فيما أخرجه البيهقي (٥/ ٣٥٠) أَنَّ رجلًا قال: إني أسلفت رجلًا سلفًا، واشترطت عليه أفضل مما أسلفته؟ فقال ابن عمر: فذلك الربا.
قلت: هو بهذا اللفظ من طريق مالك، بلاغًا عن ابن عمر، فهو منقطع، لكن أخرجه البيهقي قبله في (٥/ ٣٥٠)، وكذا في «السنن الصغير» (١٠٣٢) من طريق مالك، عن نافع، عنه به، بلفظ: مَنْ أَسلَف سلفًا فلا يشترط إلا قضاءه. وإسناده صحيح. وقال البيهقي عقيبه: وقد رفعه بعضُ الضعفاء عن نافع، وليس بشيء.
وقد ورد عن جماعة آخرين من الصحابة، عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وفضالة بن عبيد، ولا تخلو من مقال، وكلها عند البيهقي (٥/ ٣٥٠، ٣٥١)، (٦/ ٣٩٩)، وغيره.
لكن من ثبت عنهم لا مخالف له، فيكون بمثابة الإجماع، لا سيما وأنَّ العمل جرى بعد ذلك من التابعين ومن تبعهم على ذلك.
فقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٧/ ٢٦٦) عن عطاء: كانوا يكرهون كل قرض جرَّ منفعةً.
وهذا يحكيه عن الصحابة وكبار التابعين، ومن المعلوم أن الكراهية عند
[ ١٢٦ ]
المتقدمين من السلف يُقصد بها التحريم غالبا؛ لأن الحرام يكرهه الله ورسوله، كما بين ذلك ابن القيم ﵀ في (إعلام الموقعين) (١/ ٤٣)، و«بدائع الفوائد» (٥/ ٦).
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا من قول إبراهيم، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين.
[ ١٢٧ ]