الشيخ/ طارق بن عوض الله
﷽
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
فليس من شك أن أفضل ما أنفقت فيه الأوقات هو سنة رسول الله ﷺ تعلما وتفقها وعملا، ولقد بذل أسلافنا وأئمتنا ﵏، جهودًا كبيرة في خدمة سنة رسول الله ﷺ من حيث تمييز صحيحها من غير صحيحها، ومن حيث شرحها وبيان ما اشتملت عليه من معان جليلة وحكم عظيمة، وكانوا ﵃ أكثر الناس حرصا على العمل بها وتطبيقها في واقعهم.
ولقد تبين للباحثين المتوسعين في معرفة مناهج أئمة السنة أنهم ﵃ كانوا يقسمون الأحاديث إلى قسمين: قسم ثابت عن رسول الله ﷺ من حيث الدراية إلى معمول به، وغير معمول به، ويتبين للباحث أن المعمول به ليس هو الصحيح فقط، وغير المعمول به هو الضعيف قط، فقد يكون الحديث صحيحًا من حيث الرواية، وهو غير معمول به من حيث الدراية؛ لكونه منسوخا مثلا، وقد يكون الحديث ضعيفًا من حيث الرواية، لكنه معمول به من حيث الدراية؛ لكونه موافقا لظاهر القرآن، أو لظاهر الأحاديث الصحيحة، أو لعمل الأمة، أو لظاهر القياس، وهذا ما تنبه له أسلافنا
[ ٥ ]
﵃، فميزوا بين المعمول به وغير المعمول به، كما ميزوا بين الصحيح وغير الصحيح.
ومن تأمل صنيع المصنفين في السنة من علماء الحديث يتبين له ذلك بوضوح وجلاء، فهذا الإمام أبو داود قد ألف كتابه «السنن»، وذكر في رسالته إلى أهل مكة أنه قد اختار له أصح ما عنده في كل باب، وأنه لا يخرج فيه إلا ما كان صحيحا أو شبيها بالصحيح، أو ضعيفًا هينًا، فإن كان ضعفًا شديدا بينه، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح، وذكر أيضًا في هذه الرسالة أنه لا يحتج بالحديث الشاذ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أهل العلم، وإنما يقصد بالشاذ بالدرجة الأولى ما كان شاذًا من حيث المتن، وكلامه يدل على أنه يتجنب ما اشتمل على معنى يتعارض مع الأصول المقررة من قرآن وسنة وإجماع، أما ما لا يتعارض من هذه الأصول فهو يخرجه في كتابه، فما كان منه صحيحًا أو حسنًا فلا إشكال فيه، وما كان ضعيفًا من حيث الإسناد فهو يسكت عليه، إذا لم يكن في الباب ما هو أقوى منه، وذلك واضح في كونه ليس شاذا، وليس معارضًا للأصول المتقررة، وهذا المذهب الذي اختاره الإمام أبو داود هو مذهب شيخه الإمام أحمد بن حنبل، فقد كان ﵀ يحتج بالمرسل إذا لم يكن في الباب ما يعارضه، وكذلك يحتج بالضعيف الذي ليس منكرًا أو باطلا إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، وقد أثر عنه أنه قال: لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يعارضه، وأنه قال: ولضعيف الحديث أحب إلي من رأي الرجال. ونحو ذلك من العبارات المأثورة عنه، وإنما يقصد بالضعيف في كلامه هذا،
[ ٦ ]
الضعيف المحتمل كالمرسل، ورواية المستور، ومن في حفظه شيء، حيث لا يكون شاذا ولا منكرا، أما الشاذ والمنكر والموضوع فهذا لا يعرج عليه؛ لا أحمد ولا أبو داود ولا غيرهما من أهل العلم؛ ولهذا بين الإمام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، وابن رجب الحنبلي أن الضعيف الذي يحتج به الإمام أحمد هو قريب من الحديث الذي يحسنه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في «جامعه».
وهذا الإمام الترمذي ذكر في كتاب «العلل» أن أحاديث جامعه هذا كلها قد عمل بها بعض أهل العلم سوى حديثين، وقد أشار إليهما، مع أنه هو نفسه قد ضعف كثيرًا من الأحاديث التي أوردها فيه، وهذا يدل على أنه قد يكون الحديث ضعيفًا من حيث الرواية، لكنه معمول به من حيث الدراية، إذا تحقق فيه الوصف الذي بيانه آنفًا. ولعلك أخي الباحث إذا تأملت مصطلح الحسن عنده، وما ذكره من تعاريفه له، حيث قال: وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن. فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من هو متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا: حديث حسن.
فتلاحظ أخي الباحث أن تحسينه للحديث يدور مع المتن ومعناه، بحيث إذا كان الحديث ليس متوغلا في الضعف فلا يكون من رواية كذاب أو متهم بالكذب، ولا يكون شاذا ولا منكرًا ثم روي معناه من أوجه متعددة، كان ذلك مقويا له، ورافعًا له إلى مصاف الحجة، رغم أن كل رواية من رواياته
[ ٧ ]
على حدة قد لا تكون صالحة للاحتجاج.
وقوله: ويروى من غير وجه نحو ذلك. يدخل فيه المرفوع والموقوف، كما ذكر ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي».
وصنيعه هذا كمثل صنيع الإمام الشافعي حيث قوى المرسل بالموقوفات على الصحابة والتابعين، كما قواه بالمرفوعات المرسلة، أو المسندة، وكذا بفتاوى بعض الصحابة، بما يوافق معناه، أو عمل عامة أهل العلم به، كما بينه في كتابه «الرسالة».
وقد جاء عن الإمام أحمد أنه سُئل عن دية المعاهد؟ فقال: على النصف من دية المسلم، أذهب إلى حديث عمرو بن شعيب. فقيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؟ قال: ليس كلها، روى هذا فقهاء أهل المدينة قديما، ويروى عن عثمان. وهذا يدل أن العلماء ﵏ في سياق الاحتجاج بالحديث يراعون عمل الأمة من الصحابة والتابعين ومدى موافقة الحديث لهذا أم لا.
ومن هنا ندرك أن صنيع أسلافنا ﵏ حيث أدخلوا في كتب السنن بعض الأحاديث هي ضعيفة من حيث الرواية، إنما لم يفعلوا ذلك جزافًا ولا غفلة، وإنما كان ذلك بناءً على منهج مستقيم، جمع بين الرواية والدراية.
وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي الباحث هو محاولة مباركة إن شاء الله من الأخ المؤلف لجمع مثل هذه الأحاديث التي هي ضعيفة من حيث الرواية، لكنها من المعمول بها من حيث الدراية لدى علماء السنة قديما
[ ٨ ]
وحديثا؛ وذلك ليكون الباحث على دراية تامة بهذا الجانب من جوانب العلم، وبمعرفة لمناهج العلماء في التعامل مع مثل هذه الأحاديث، وعسى أن يكون هذا الكتاب طريقًا لبحوث مهمة لأهل العلم.
وأسأل الله ﷿ أن يعين أخي المصنف الشيخ عاطف بن حسن الفاروقي في الاستمرار على هذا النهج، وتقديم أعمال قيمة لا تقل قيمة عن هذا العمل المبارك للمكتبة الإسلامية، وللباحثين في السنة النبوية، والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتبه
أبو معاذ طارق بن عوض الله
[ ٩ ]