هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم بن كليب فمن رجال مسلم، روى له البخاري في الصحيح تعليقًا، وروى له في كتاب رفع اليدين وفي الأدب.
وأخرجه أحمد (١/ ٣٨٨)، وابن أبي شيبة في مسنده (٣٢٣) عن وكيع به، وأخرجه الترمذي (٢٥٧) من طريق هناد، والنسائي (٢/ ١٩٠)، وفي الكبرى (٦٤٥) من طريق محمود بن غيلان، وأبو
_________________
(١) رجال الإسناد: عثمان بن أبي شيبة، ثقة، حافظ، شهير، له أوهام، من العاشرة، توفي سنة ٢٣٩، روى له البخاري ومسلم. وكيع بن الجراح: تقدم. عاصم بن كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، صدوق، رمي بالإرجاء من الخامسة، روى له مسلم، والبخاري تعليقًا. عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو حفص وأبو بكر الفقيه الكوفي، ثقة، من الطبقة الثالثة، روى له البخاري ومسلم. علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي أبو شبل الكوفي، ثقة، ثبت، فقيه، عابد، من الطبقة الثانية، توفي سنة ٦١ هـ عن ٩٠ عامًا، روى له البخاري ومسلم.
[ ١ / ١٠٠ ]
يعلى (٥٠٤٠) و(٥٣٠٢) من طريق زهير بن حرب، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٤) من طريق نعيم بن حماد ويحيى بن يحيى النيسابوري، والبيهقي (٢/ ٧٨) من طريق محمد بن إسماعيل الأحمسي، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٤٩) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، وابن حزم في المحلى (٣/ ٢٣٥) من طريق زهير.
كلهم من طريق وكيع به.
إلا أن بعضهم قال: إلا مرة واحدة.
وبعضهم قال: إلا في أول مرة.
وجاء في رواية زيادة: ثم لم يعد، وهذه جاءت من زهير بن حرب ويحيى بن يحيى عن وكيع.
وقد تابع وكيعًا عبد الله بن المبارك (^١)، ومعاوية بن هشام (^٢)، وخالد بن عمرو (^٣)، وأبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (^٤)، فرووه عن سفيان بنحو رواية وكيع.
هكذا قال سفيان عن عاصم عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود في صلاة النبي ﷺ أنه لم يرفع يديه إلا مرة.
خالفه عبد الله بن إدريس (^٥) فرواه عن عاصم بن كليب عن
_________________
(١) النسائي (٢/ ١٨٢)، وزاد فيه: ثم لم يعد.
(٢) أبو داود (٧٥١).
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق.
(٥) أبو داود (٧٤٧)، والنسائي (٢/ ١٨٤)، وفي الكبرى (٦٢٠)، وأحمد (١/ ٤١٨)، وابن الجارود (١٩٦)، وابن خزيمة (٥٩٥)، والحاكم (١/ ٢٢٤)، والبخاري في جزء رفع اليدين (ص ٢٦)، وقال: وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود.
[ ١ / ١٠١ ]
عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله: علّمنا رسول الله ﷺ الصلاة، فكبّر ورفع يديه، فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه، قال: فبلغ سعدًا، فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا يعني: الإمساك على الركبتين.
وقد أعلّ حديث سفيان هذا عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والبزار، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم …
قال عبد الله بن المبارك: قد ثبت حديث مَنْ يرفع يديه، وذكر حديث الزهري عن سالم عن أبيه.
ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يرفع يديه إلا في أول مرة (^١).
قال البخاري في جزء رفع اليدين (٤٦): ويروى عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال ابن مسعود … فذكر الحديث.
وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم قال: نظرت في كتاب ابن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: ثم لم يعد، وهذا أصح، لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل يحدّث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب، فيكون كما في الكتاب.
_________________
(١) سنن الترمذي (٢/ ٣٨)، والسنن الكبرى (٢/ ٧٥)، والخلافيات (٢/ ٧٥ مختصر) كلاهما للبيهقي.
[ ١ / ١٠٢ ]
ثم ساق البخاري حديث ابن إدريس، وقال: وهذا المحفوظ عند أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود.
وقال أبو داود عقب الحديث: هذا حديث مختصر من حديث طويل وليس هو بصحيح على هذا اللفظ.
وقال أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ٩٥): هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري. وروى هذا الحديث عن عاصم جماعة، فقالوا كلهم: إن النبي ﷺ افتتح فرفع يديه، ثم ركع فطبق وجعلها بين ركبتيه، ولم يقل أحد ما رواه الثوري.
ونقل ابن عبد البر في التمهيد (٤/ ٥٤١ فتح البر): عن البزار قوله: هو حديث لا يثبت ولا يحتج به.
وعن محمد بن وضاح قوله: الأحاديث التي تروى عن النبي ﷺ في رفع اليدين ثم لا يعود ضعيفة كلها.
وقال الدارقطني في العلل (٥/ ١٧٢) عن هذا الحديث: يرويه عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة حدّث به الثوري عنه. ورواه أبو بكر النهشلي، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وعلقمة، عن عبد الله. وكذلك رواه ابن إدريس عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله. وإسناده صحيح، وفيه لفظة ليست بمحفوظة ذكرها أبو حذيفة في حديثه، عن الثوري، وهي قوله: ثم لم يعد. وكذلك قال الحماني، عن وكيع. وأما أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، فرووه عن وكيع، ولم يقولوا فيه: ثم لم يعد.
[ ١ / ١٠٣ ]
وكذلك رواه معاوية بن هشام أيضًا، عن الثوري، مثل ما قال الجماعة، عن وكيع. وليس قول مَنْ قال: ثم لم يعد محفوظًا.
وقال الحافظ في الفتح (٢/ ٢٢٠): ورده الشافعي بأنه لم يثبت قال: ولو ثبت لكان المثبت مقدّمًا على النافي.
وقال ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٣٦٨): قال أبو حاتم البستي في كتاب الصلاة له: هذا الحديث له علة توهنه، لأن وكيعًا اختصره من حديث طويل، ولفظة «ثم لم يعد» إنما كان وكيع يقولها في آخر الخبر من قبله وقبلها يعني فربما أسقطت يعني، وحكى البخاري تضعيفه عن يحيى بن آدم وأحمد بن حنبل وتابعهما عليه وضعّفه الدارمي والدارقطني والبيهقي، وهذا الحديث روي بأربعة ألفاظ؛ أحدها: قوله: فرفع يديه في أول مرة ثم لم يعد، والثانية: فلم يرفع يديه إلا مرة، والثالثة: فرفع يديه في أول مرة لم يذكر سواها، والرابعة: فرفع يديه مرة واحدة، والإدراج ممكن في قوله: ثم لم يعد، وأما باقيها فإما أن يكون قد روي بالمعنى، وإما أن يكون صحيحًا.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٢/ ١٩٤): وقول ابن حبان: هذا أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه، وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه، لأن له عللًا تبطله.
ونقل البيهقي في الخلافيات (٢/ ٧٥) عن أبي عبد الله الحاكم قوله: هذا الخبر مختصر من أصله، وعاصم بن كليب لم يخرج حديثه في الصحيحين، وذلك أنه كان يختصر الأخبار يؤديها على المعنى، وهذه اللفظة «ثم لم يعد» غير محفوظة في الخبر.
[ ١ / ١٠٤ ]
وممن نقل عنه أيضًا تضعيف هذه اللفظة محمد بن نصر المروزي وابن القطان.
فقد قال ابن القطان في كتاب الوهم والإيهام: ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: حديث وكيع لا يصح، والذي عندي أنه صحيح، وإنما النكر فيه على وكيع زيادة: ثم لا يعود، وقالوا: إنه كان يقولها من قبل نفسه، وتارةً لم يقلها، وتارةً أتبعها الحديث، كأنها من كلام ابن مسعود، وكذلك قال الدارقطني: إنه حديث صحيح، إلا هذه اللفظة، وكذلك قال أحمد بن حنبل وغيره، وقد اعتنى الإمام محمد بن نصر المروزي بتضعيف هذه اللفظة في كتاب رفع اليدين.
فقد جعل ابن القطان وأبو حاتم البستي الوهم فيه من وكيع، وجعله أبو حاتم والبخاري وغيرهم من سفيان الثوري، واتفقوا جميعًا على نكارة هذه اللفظة: «ثم لا يعود» وأن الحديث ليس فيه ترك رفع اليدين إنما فيه التطبيق.
وقد جاء عن أحمد ما يدل أيضًا أنه جعل الخطأ في هذا الحديث على وكيع، قال ابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٤٩): كان يروي الأحاديث على غير ألفاظها، ويستعمل يعني كثيرًا ويلحقها في الحديث، وذكر حديث عاصم بن كليب في الرفع، وحديث ابن مسعود، وقال أحمد: قال لي أبو عبد الرحمن الوكيعي: كان وكيع يقول فيه: يعني: ثم لم يعد، وقد تكلم بعض أصحابنا في هذا الحديث، فذكر أن ابن إدريس روى هذا الحديث بإسناده عن عاصم بن كليب عن عبد الله وليس فيه: ثم لم يعد.
قلت: لو أن وكيعًا انفرد بهذه الزيادة عن سفيان كان جعل الزيادة هذه عليه متأكدة، إلا أنه تابعه في ذكر هذه الزيادة عبد الله بن المبارك
[ ١ / ١٠٥ ]
عن سفيان كما عند النسائي (٢/ ١٨٢) من طريق سويد بن نصر المروزي وهو ثقة وهو راوية ابن المبارك، لذا فالراجح ما ذهب إليه أبو حاتم والبخاري، والله أعلم.
وخالف هؤلاء الأئمة الأعلام بعض أهل الحديث فصححه بناءً على ظاهر السند، وأن رجاله ثقات ولا يضر تفردهم بما لم يذكره غيرهم، وحملوا ما جاء في هذا الحديث على بيان الجواز وأن الرفع سنّة، وقد تترك السنّة أحيانًا.
وممن صحح هذا الحديث الترمذي في سننه (٢/ ٤١) فقال: حديث ابن مسعود حديث حسن وبه يقول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وصححه ابن حزم (٣/ ٢٣٥) فقال: قد صحّ أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع، وأنه كان لا يرفع، وذكر هذا الحديث.
وكذلك صححه الطحاوي، والزيلعي، وابن التركماني، ومن المعاصرين الشيخ: أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي، والألباني.