بدأت بالأئمة المكثرين الحفاظ المتقنين كشعبة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومالك، ومعمر، والأوزاعي وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن جريج، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأبي معاوية، وعبد الرزاق، وألحقت معهم إمام المغازي محمد بن إسحاق وختمت بأبي داود الطيالسي، وهذا هو القسم الأول.
ثم أوردت أوهام الأئمة والثقات من رجال الشيخين المتفق عليهما حسب الطبقات مقلدًا في ذلك الحافظ ابن حجر في تقريبه في الترتيب، فكان هناك واحدًا في الطبقة الثانية وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى فأوردت حديثه ضمن الطبقة الثالثة، ثم أوردت أحاديث بقية الطبقات حتى الطبقة الحادية عشر حسب ترتيب الأحرف الهجائية (إلا أني قدمت في حرف العين من اسمه عبد الله) وهذا هو القسم الثاني.
_________________
(١) انظره في خاتمة الأحاديث التي انتقد فيها سفيان بن عيينة.
(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٥).
[ ١ / ١٠ ]
ثم أوردت أوهام رجال الإمام البخاري ثم رجال الإمام مسلم حسب ترتيب الأحرف الهجائية دون اعتبار الطبقات، وهذا هو القسم الثالث.
ثم ختمت الكتاب بأوهام وقعت في كتب الأئمة أصحاب الكتب الستة وهذا هو القسم الرابع.
وقد قدمت لهؤلاء الثقات ترجمة يسيرة أغلبها من التهذيب وسير أعلام النبلاء والجرح والتعديل.
ولا شك أنَّ الوهم لا يسلم منه أحد إلا أنهم متفاوتون في ذلك. ذكر ابن عبد البر حديث سهو النبيِّ ﷺ في الصلاة ثم قال: وفي هذا الحديث بيان أنَّ أحدًا لا يسلم من الوهم والنسيان لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء فغيرهم بذلك أحرى (^١).
وقال الإمام مالك: مَنْ ذا الذي لا يخطاء (^٢).
وقال مهنا للإمام أحمد: كان غندر يغلط؟ قال: أليس هو من الناس! (^٣).
وقال: حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما رأيت أحدًا أقل خطأ من يحيى بن سعيد يعني القطان وقد أخطأ في أحاديث.
قال أبو عبد الله: ومَن ذا يُعرى من الخطأ والتصحيف (^٤).
_________________
(١) الاستذكار (١/ ٥٢١).
(٢) الآداب الشرعية (٢/ ١٤٢).
(٣) الآداب الشرعية (٢/ ١٤٢).
(٤) المصدر السابق.
[ ١ / ١١ ]
بل قال يحيى بن معين: مَنْ لا يخطاء في الحديث فهو كذاب (^١).
وقال أيضًا: لست أعجب ممن يخطاء، إنما العجب ممن يحدِّث فيصيب (^٢).
وقال الترمذي: وإنما يتفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كثير من الأئمة مع حفظهم (^٣).
وليس الغرض من هذا البحث هو البحث عن أوهام الأئمة وأخطائهم، إذ لم يدَّع أحدٌ منهم العصمة وعدم الخطأ، بل المراد من معرفة هذه الأوهام، معرفة علتها وأثرها، وهل بُنِيَ حكم عليها وتبرئة شيخه أو تلميذه من الوهم إذ وقفت على بعض الأحاديث ينسب الوهم فيها إلى مَنْ هو بريء منه، ومعرفة الأتقن في بعض الشيوخ مما اختلف فيه بعض أهل العلم، والأهم من ذلك كله تنقية الأحاديث النبوية مما أُلحق بها من أوهام في المتن والسند، وغير ذلك من الفوائد العديدة التي سيجدها القاراء والباحث في هذا الكتاب. وسأذكر أمثلة لما تقدم:
روى الإمام البخاري في صحيحه (٢٩٣٤) قال: حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله يعني ابن مسعود. وذكر حديثًا فيه
_________________
(١) من تاريخه (٢٦٨٢).
(٢) المصدر السابق (٥٢).
(٣) العلل الصغير (١/ ٤٣١).
[ ١ / ١٢ ]
فقال النبيُّ ﷺ: «اللَّهم عليك بقريش لأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأُبيّ بن خلف …». قال عبد الله: فلقد رأيتهم في قليب بدر قتلى.
ثم قال البخاري: وقال يوسف بن إسحاق عن أبي إسحاق أمية بن خلف وقال شعبة: أمية أو أُبيّ. والصحيح أمية. اه.
فظاهر قول الإمام البخاري أنَّ سفيان الثوري أخطأ في قوله (أُبي بن خلف) لكن الصحيح أنَّ الوهم ليس من سفيان، فقد رواه مسلم في صحيحه (١٧٩٤) عن ابن أبي شيبة هذا بنفس إسناد البخاري فقال (أمية بن خلف)، وكذلك رواه زيد بن حباب وأبو الأحوص عن الثوري فسلم من الوهم، وكذلك رواه خمسة من الثقات عن جعفر بن عون. فبقي أن يكون الوهم من ابن أبي شيبة، لكن ذكرنا أنَّ مسلمًا رواه عنه على الصحيح وكذلك هو في مصنفه ومسنده. فبقي أن يكون الوهم من الإمام البخاري، إلا أنه بذكره الخلاف عقب الحديث وأنَّ الصحيح هو أمية بن خلف يرجح أن يكون الوهم هو من أبي بكر بن أبي شيبة لما حدّث الإمام البخاري وإن كان في كتابه خلاف ذلك، وانظر «الفتح» (١/ ٣٥١). لذا أوردت هذا الحديث في باب أبي بكر بن أبي شيبة.
مثال آخر:
روى أبو داود (٤٥٧٨) عن عباس بن عبد العظيم، عن عبيد الله بن موسى، عن يوسف بن صهيب، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه أنَّ امرأة خذفت امرأة فأسقطت فرُفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فجعل في ولدها خمسمائة شاة ونهى يومئذ عن الخذف.
[ ١ / ١٣ ]
قال أبو داود: هكذا قال عباس وهو وهم. اه.
ظاهر قول أبي داود أنَّ عباس هو الواهم في قوله: (خمسمائة) والصحيح هو (مائة) لكن لم ينفرد به عباس بل تابعه ثقتان هما إبراهيم بن يعقوب بن إبراهيم وإبراهيم بن يونس بن محمد وحديثهما عند النسائي (٨/ ١٤٦). وكذلك عبيد الله بن موسى تابعه أبو نعيم فرواه عن يوسف بن صهيب عن عبد الله بن بريدة مرسلًا فقال: (مائة). فسلم عباس وعبيد الله من الوهم فيكون الوهم إنما هو من يوسف بن صهيب وهو ثقة لكنه ليس على شرطنا وهو أن يكون من رجال الصحيح فلم أُخرِجه في كتابي هذا؛ وعلة وهمه أنَّ الشعبي كان يقول: الغرة خمسمائة درهم فوهم يوسف فقال: (خمسمائة شاة). والله أعلم.
حمل ابن خزيمة في صحيحه (٢٧٦٦) الوهم فيه على ابن عيينة، والصحيح أنَّ الوهم من عبد الجبار بن العلاء، فقد رواه الحميدي وعمرو الناقد وغيرهما عن سفيان على الوجه الصحيح، لذا أوردناه في باب عبد الجبار وليس سفيان كما قال ابن خزيمة.
حمل الألباني في كتابه «صفة صلاة النبيِّ ﷺ» (٣/ ٩٠١) في حديث رواه البيهقي (٢/ ١٤٠) من طريق أحمد بن منصور الرمادي عن معمر عن قتادة، الوهم في هذا على معمر فقال: (وأخشى أن تكون هذه الرواية وهمًا لأنه تفرد بها معمر دون أصحاب قتادة …).
قلت: رواه عبد الرزاق (٣٠٦٥) عن معمر مثل رواية الجماعة فسلم معمر من الوهم والحمل فيه على أحمد بن منصور أو من دونه في الإسناد وهم ليسوا على شرط كتابنا هذا فلم أخرجه فيه.
[ ١ / ١٤ ]
ابن جريج كان يروي حديثًا أحيانًا على التوهم فرواه عنه هكذا يحيى القطان، وحمل البيهقي الوهم فيه على يحيى إذ خالفه غيره، لكن نقل الإمام أحمد عن يحيى أنه كان ينكره على ابن جريج ويراجعه فيه فيأبى؛ لذا أوردته في بابه وليس في باب يحيى القطان.
ذكر الدارقطني والبيهقي في حديث صلاة الفطر ركعتان والأضحى ركعتان والسفر ركعتان أنَّ أصحاب الثوري رووه عنه عن زبير عن ابن أبي ليلى عن عمر، ولم يجعلوا بينهما أحدًا.
ورواه يحيى القطان عن الثوري فجعل بينهما رجلًا وذكروا حديثه. قلت: ليس هذا من يحيى إنما رواه عنه القواريري هكذا؛ لذا جعلته في باب القواريري ورواه غيره عن يحيى على الصواب.
وحمل الدارقطني الوهم في حديث على الليث بن سعد، والصحيح أنَّ الوهم إنما هو من الراوي عنه حجين بن المثنى إذ خالفه غيره من أصحاب الليث؛ لذا أوردناه في بابه وليس في باب الليث.
روى النسائي في «المجتبى» (٨/ ٢٧٦) وفي «الكبرى» (٧٩٤٦) (٧٩٤٧) حديثًا من طريق شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت أبا علقمة يحدِّث عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ، فذكر الحديث (^١).
ثم قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو عوانة عن يعلى بن عطاء عن أبيه كذا قال عن أبي علقمة به.
_________________
(١) مسلم (١٨٣٥).
[ ١ / ١٥ ]
ثم قال عقبه في «الكبرى»: هذا خطأ، والصواب يعلى بن عطاء عن أبي علقمة، أي ليس بينهما والد يعلى، فقد صرَّح بسماعه من أبي علقمة شعبة. وظاهره أنَّ الوهم من أبي عوانة وضاح اليشكري.
لكن أبا كامل الجحدري (^١) وعفان بن مسلم وبهز بن أسد (^٢) قد رووه عن أبي عوانة كرواية شعبة، وقد أورده مسلم في صحيحه.
فسلم أبو عوانة من الوهم. فيكون الوهم ممن دونه في الإسناد ذلك أنَّ عبد بن حميد (^٣) قد رواه عن أبي الوليد الطيالسي على الصحيح وأنَّ أبا عوانة الإسفرائيني (^٤) قد رواه عن أبي داود الحراني على الصحيح فيكون الوهم ظاهره من الإمام النسائي، إلا أنه قد نبّه عليه فيكون الوهم من أبي داود الحراني لما حدَّث به النسائي، وهو ليس على شرط كتابنا فلم أورده في كتابي، والله أعلم.