أما معرفة الأتقن في بعض الشيوخ، فقد أظهر هذا البحث بعد سبر أحاديث المقدَّمين في الزهري أتقنهم وأعلمهم به خلافًا لما ذكره بعض أئمة الحديث ونقاده، فقد اختلف بعض أهل الحديث في الأتقن من أصحاب الزهري فقدَّم يحيى القطان ابن عيينة على معمر.
وقدَّم علي بن المديني ابن عيينة على مالك ومعمر ويونس.
_________________
(١) مسلم (١٨٣٥).
(٢) أحمد (٢/ ٤١٦).
(٣) في مسنده (١٤٦٠).
(٤) في مسنده (٨٠٨٨).
[ ١ / ١٦ ]
وقدَّم أحمد بن حنبل مالك وابن عيينة في حديث الزهري في الاتقان، ويونس بن يزيد ومعمر في الكثرة.
وقدَّم أبو حاتم مالك وابن عيينة على أصحاب الزهري.
وقدَّم يحيى بن معين مالك ومعمر على ابن عيينة.
وقدَّم أحمد بن صالح المصري (وهو من أعرف الناس بحديث الزهري كما قال الإمام أحمد) يونس بن يزيد على جميع أصحاب الزهري (^١).
وبالنظر إلى ما وقفت عليه من أوهام هؤلاء الأئمة الأثبات مالك ومعمر وسفيان بن عيينة ويونس بن يزيد.
نجد أنَّ يونس يتقدم أصحاب الزهري في الاتقان والكثرة، فقد وهم سفيان على الزهري في عشرين حديثًا، كان القول فيها قول يونس في سبعة عشر حديثًا، ومعمر في ستة عشر حديثًا، ومالك في أحد عشر حديثًا.
ووهم معمر على الزهري في ثمانية عشر حديثًا كان القول فيها قول يونس في ستة عشر حديثًا وسفيان ومالك كلاهما في ستة أحاديث.
ووهم مالك على الزهري في ستة أحاديث كان القول فيها كلها ليونس، ومعمر في خمسة، وسفيان في حديثين.
ووهم يونس على الزهري في ثلاثة أحاديث كان القول فيها قول مالك ومعمر وسفيان في حديث واحد منها.
_________________
(١) انظر: في خاتمة باب سفيان بن عيينة.
[ ١ / ١٧ ]
وذلك لكون يونس يكتب الحديث ولطول ملازمته للزهري فقد لازمه أربع عشرة سنة مع كونه دونهم في الحفظ والإتقان.
وانظر الخاتمة في الأحاديث التي خولف فيها سفيان الثوري وشعبة والمقارنة بينهما، فإنَّ شعبة قد خالفه في أحاديث بعضها لشيوخ من بلد سفيان كان القول فيها لشعبة خلاف ما ذكره يحيى القطان وغيره من أنه ما خالف أحد سفيان إلا كان القول قول سفيان حتى وإن كان شعبة.
كما أظهرت الدراسة أنَّ أوثق الناس في أبي إسحاق السبيعي هو شعبة وإن كان أبو إسحاق من بلد الثوري.
ومن فوائد هذا البحث أني وقفت على علل لأحاديث كثيرة لم يذكرها الدارقطني وابن أبي حاتم في كتابيهما وهما أوسع وأشمل مَنْ كتب في هذا الفن.
ففي كتاب شعبة هناك ثلاثة وعشرون حديثًا لم أقف عليها عندهما.
وفي كتاب الثوري هناك خمسة عشر حديثًا لم أقف عليها عندهما من أصل اثنين وثلاثين حديثًا في بابه.
وفي كتاب ابن عيينة هناك خمسة وثلاثون حديثًا لم أقف عليها عندهما من أصل ستة وستين حديثًا وهم فيها، مما يضفي على الكتاب أهمية ويجعل له مكانًا بين كتب العلل بحول الله وتوفيقه.
[ ١ / ١٨ ]