وهو من الأسباب الرئيسة في وقوع الوهم ولا يكاد يسلم منه إنسان، وقد قال ابن عبد البر تعقيبًا على حديث سهو النبيِّ ﷺ في الصلاة: في هذا الحديث بيان أنَّ أحدًا لا يسلم من الوهم والنسيان؛ لأنه إذا اعترى ذلك الأنبياء فغيرهم بذلك أحرى.
وكان قتادة يُضرب به المثل في الحفظ، فقال يومًا محدِّثًا عن قوة حفظه: ما نسيت شيئًا. ثم قال لغلامه: ناولني نعلي. قال الغلام: نعلك في رجلك (^١).
وقد نسي عمر بن الخطاب ﵁ حديث التيمم حتى ذاكره فيه عمار بن ياسر ﵄.
وقد يكون النسيان من كبر السن والمرض أو قدم عهده بالحديث.
قيل لسفيان بن عيينة: أبو معاوية يحدِّث عنك بشيء لست تحفظه ووكيع يحدِّث عنك بشيء لست تحفظه. فقال: صدِّقهم، فإني كنت قبل اليوم أحفظ مني اليوم (^٢).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٧٩).
(٢) الكفاية للخطيب ص ٣٨٣.
[ ١ / ٢٦ ]
وقال الأعمش: سمعت من أبي صالح ألف حديث ثم مرضت مرضة فنسيت بعضها.
بل إنَّ بعض المحدِّثين ربما حدَّث بالحديث ثم نسيه وأنكر أن يكون حدَّث به، وقد جمعت ذلك في رسالة «مَنْ حدَّث حديثًا ثم نسي»، منها أنَّ أبا هريرة ﵁ حدَّث عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة» (^١). ثم أنكر أن يكون حدَّث به. قال أبو سلمة بن عبد الرحمن الراوي عن أبي هريرة: قد حدَّث به وما سمعت أبا هريرة نسي حديثًا غيره قط.
وروى الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه، قال: تحدثت عند أبي هريرة بحديث فأنكره، فقلت: إني قد سمعته منك. قال: إن كنت سمعته مني فهو مكتوب عندي. فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبًا كثيرة من حديث رسول الله ﷺ فوجد ذلك الحديث .. (^٢).
وروى عمرو بن دينار عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس ﵁ قال: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير.
قال عمرو: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدِّثك به. قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك (^٣).
_________________
(١) البخاري (٥٧٠٧) (٥٧٥٧)، ومسلم (٢٣٢١)، وأبو داود (٣٩١١)، وغيره.
(٢) ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٣٢٤)، وانظر تعليقه عليه.
(٣) مسلم (٥٨٣)، وأخرجه البخاري (٨٤٢) دون ذكر إنكار أبي معبد، والشافعي في الأم (١/ ١٢٦) وقال الشافعي: كان قد نسيه بعدما حدَّثه إياه.
[ ١ / ٢٧ ]
وحصل مثل ذلك للزهري والأعمش وابن عيينة والشافعي وأحمد بن حنبل حتى إنَّ الإمام الشافعي نهى تلميذه عن الحديث عن الأحياء. قال محمد بن عبد الله بن الحكم: كان الشافعي متحريًا فذاكرته يومًا بحديث وأنا غلام، فقال: مَنْ حدَّثك؟ فقلت له: أنت. قال: في أيِّ كتاب؟ قلت له: في كتاب كذا وكذا. فقال: ما حدَّثتك به من شيء فهو كما حدَّثتك وإياك والرواية عن الأحياء.
وفي رواية قال له: يا محمد، لا تحدِّث عن حيٍّ فإنَّ الحيَّ لا يؤمَن عليه النسيان.
وقد أنكرت أمّ المؤمنين عائشة على بعض الصحابة نسيانهم، وذلك أنها أمرت أن يمرّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلِّي عليه، فأنكر الناس عليها ذلك، فقالت: ما أسرع (تعني ما نسي الناس)، ما صلَّى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد (^١).