وذلك أنَّ كثيرًا من المحدِّثين كانوا يكرهون الكتابة ويحضُّون تلاميذهم على الحفظ.
روى الإمام أحمد بسنده عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد (يعني الخدري) ﵁: إنك تحدثنا أحاديث عجيبة وإنا نخاف أن نزيد
_________________
(١) تذكرة الحفَّاظ (١/ ٨٢).
(٢) الآداب الشرعية (٢/ ١٤٠).
(٣) تاريخ ابن معين برواية الدوري (٥٢).
(٤) علل الترمذي الصغير آخر الجامع (٦/ ٢٤٠).
(٥) «شرح علل الترمذي» (١/ ١٥٩).
[ ١ / ٢٩ ]
أو ننقص، فلو كتبنا؟ فقال: لن نكتبه ولن نجعله قرآنًا، احفظوا كما حفظنا (^١).
وقال طاووس: كنا عند ابن عباس وسعيد بن جبير يكتب فقال له بعضهم: إنهم يكتبون. فقال: يكتبون. وكان أحسن مني خلقًا فقام (^٢).
أي أنه كره فعلهم فامتنع عن التحديث حال كتابتهم لذا عمد كثير من أهل الحديث إلى عدم الكتابة عند شيوخهم بل يكتبونه إذا عادوا إلى بيوتهم.
قال أحمد بن حنبل: إنَّ سفيان الثوري يحدِّث بالكوفة ثلاثمائة حديث في اليوم من حفظه ولم يكن له كتاب فكان الحفّاظ يحفظون ثم يقومون فيكتبون (^٣).
وقال الحميدي: ثنا سفيان قال: وسمعت عمرو بن دينار قال له رجل من أهل مكة: إنَّ سفيان بن عيينة إذا ذهب البيت يكتب عنك. فاستلقى عمرو على فراشه في المسجد فبكى فقال: أحرج بالله على كل مسلم يكتب عني شيئًا. وقال لي عمرو: يا غلام، أنا حين كنت مثلك لا أنسى شيئًا أسمعه (^٤).
بل أنَّ بعض الحفّاظ ربما كتب الحديث بعد سماعه بشهور.
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٩٢).
(٢) المصدر السابق (٢/ ٣٨٧).
(٣) الجرح والتعديل (١/ ١٦٣).
(٤) المعرفة والتاريخ (٢/ ١١ - ١٢).
[ ١ / ٣٠ ]
قال الإمام البخاري: رُبَّ حديث سمعته بالشام فكتبته بمصر ورُبَّ حديث سمعته بالبصرة فكتبته بخراسان.
وذلك لأن البخاري صنف كتابه «الجامع الصحيح» في رحلته، معتمدًا على حافظته القوية وهو ممَّن يرى جواز الرواية بالمعنى لذا حصل له اختلاف في حديث أو حديثين.
فقد أورد في صحيحه (^١) قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت».
وخالفه مسلم صاحب «الصحيح» (^٢)، وأبو يعلى الموصلي (^٣)، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي (^٤) فرووه عن محمد بن العلاء بهذا الإسناد فقالوا: «مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مثل الحي والميت».
وكذلك رواه جماعة عن أبي أسامة حماد بن أسامة بهذا اللفظ منهم: عبد الله بن براد (^٥)، وأحمد بن عبد الحميد (^٦)، وأبو سعيد
_________________
(١) صحيح البخاري (٦٤٠٧).
(٢) في صحيحه (٧٧٩).
(٣) في مسنده (٧٣٠٦)، وابن حبان (٨٥٤)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١٧٧١)، وغيرهم.
(٤) الدارقطني في أربعون حديثًا من مسند بريدة (٥٤).
(٥) مسلم (١٧٧١).
(٦) أبو عوانة (٣٩١٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٣٦)، والدعوات الكبير (٨).
[ ١ / ٣١ ]
عبد الله بن سعيد الأشج (^١)، ويوسف بن موسى القطان (^٢)، وإبراهيم بن سعيد الجوهري (^٣)، والقاسم بن زكريا، وموسى بن عبد الرحمن (^٤)، والقاسم بن زكريا (^٥)، وأبو عبيدة أحمد بن عبد الله بن أبي السفر (^٦)، ومحمد بن سعيد الأصبهاني (^٧).
قال ابن حجر: (انفراد البخاري باللفظ المذكور دون بقية أصحاب أبي كريب وأصحاب أبي أسامة يشعر بأنه رواه من حفظه أو تجوز في روايته بالمعنى).
لذا كان أهل الحديث إذا اختلفوا جعلوا كتاب مَنْ يكتب هو الحكم.
قال عبد الله بن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر (يعني محمد بن جعفر) حكم بينهم.
فكانوا يقدِّمونه على مَنْ هو أحفظ وأعلم في شعبة، فقدَّمه علي ابن المديني على عبد الرحمن بن مهدي في شعبة.
قال أحمد بن حنبل: سمعت غندرًا يقول: لزمت شعبة عشرين سنة وكنت إذا كتبت عنه عرضته عليه. قال أحمد: أحسبه من بلادته كان يفعل هذا.
_________________
(١) الروياني في مسنده (٤٧٣).
(٢) الإسماعيلي في مستخرجه كما في الفتح (١١/ ٢١٠)، والدارقطني في الأربعين (٥٣)، وابن البخاري في مشيخته (١١٦٩).
(٣) الإسماعيلي في مستخرجه (١١/ ٢٤٠ فتح الباري).
(٤) المصدر السابق.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ابن البخاري في مشيخته (١١٦٩).
(٧) الدارقطني في أربعون حديثًا (٥٥).
[ ١ / ٣٢ ]
وقال ابن حجر: ثقة صحيح الكتاب إلا أنَّ فيه غفلة.
قلت: ومع هذا يقدِّمونه على غيره من الثقات الأثبات في شعبة لأنه كان يكتب عنه ويعرضه عليه.
وكذلك يونس بن يزيد إنما قدِّم في الزهري لكونه كان الزهري يملي عليه الحديث وقد استُقْصِيت أحاديث الثقات عن الزهري (مالك، ومعمر، وسفيان، ويونس) فإذا أكثرهم حديثًا عنه وأثبتهم فيه يونس كما تجده في خاتمة الأحاديث التي خولف فيها سفيان بن عيينة.