وهو تغيير الكلمة إلى كلمة أخرى وغالبًا ما تكون مشابهة لها في الرسم ويكون في الأسماء وفي المتون. وأكثر ما يكون التصحيف من الذي يحدِّث من كتابه، فقد يختلط عليه رسم الكلمات. وأكثر ما يكون ذلك في الأسماء وقد وقع مثل ذلك لكبار الأئمة.
ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو زرعة الرازي، ذكر عبد الرحمن بن مهدي وأطنب في مدحه، وذكر من أوهامه في هذا أنه قال عن شهاب بن شرنقة وإنما هو شهاب بن شرهة، وصحَّف عائد بن نصلة فقال ابن بطة، وقال عن قيس بن جبير وإنما هو قيس بن حبتر (^١).
لذا قال الإمام أحمد: ابن مهدي أكثر تصحيفًا من وكيع، ووكيع أكثر خطأ منه، ووكيع قليل التصحيف (^٢).
وذكر أحمد أنَّ عبد الله بن المبارك (وقد تقدم أنه يحدِّث من كتاب). صحَّف في حديث ابن عمر عن النبيِّ ﷺ أنه سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب، وقال ابن المبارك: (وما يثوبه) وصحَّف فيه (^٣).
بل هناك من التصحيف ما يثير العجب والضحك. قال أبو حاتم الرازي لأبي زرعة: حفظ الله أخانا صالح بن محمد البغدادي لا يزال يضحكنا شاهدًا وغائبًا، كتب إليَّ يذكر أنه لمّا مات محمد بن يحيى الذهلي أُجلس للتحديث شيخ لهم يُعرف بمحمش فحدَّث أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يا أبا عمير، ما فعل البعير؟». وأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تصحب
_________________
(١) سؤالات البردعي (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧).
(٢) تهذيب الكمال (٧٢٩٠) في ترجمة وكيع.
(٣) العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٤٢٩).
[ ١ / ٣٤ ]
الملائكة رفقة فيها فرس». ذكره الحاكم (^١).
وممّا ذكره أيضًا أنَّ أبا النضر كان يقرأ على الإمام ابن خزيمة كتاب «المختصر» للمزني فقال: وتوضأ عمر من ماء في حر نصرانية، فضحك الناس.
وقال محمد بن عبدوس المقراء قال: قصدنا لشيخ لنسمع منه وكان في كتابه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ادهنوا غبا». فقرأه: اذهبوا عنا.
وذُكر عن بعضهم أنه كان بعدن اليمن وأعرابي يذاكرهم فقال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى نصب بين يديه شاة فأنكرت ذلك عليه، فجاء بكتابه مستدلًا لقوله، فقلت: أخطأت، إنما هو عنزة، أي عصا.
وسيأتي في باب شعبة أنه صحَّف كلمة (ذرَّه)، وصحَّف (أبي الثورين) فقال: (أبي السوار)، وهذا كما قيل أنه لم يفهم الكلمة من عمرو بن دينار وكانت قد ذهبت أسنانه.
وصحَّف سفيان الثوري (النقيع) إلى (البقيع)، فإذا حصل مثل هذا لكبار الأئمة فما بالك بغيرهم (^٢).
وصحَّف يحيى بنُ معين العوام بن مراجم فقال: (العوام بن مزاحم) (^٣).
لذا أفرد بعض العلماء ذكر ما وقع للمحدِّثين من تصحيف في أجزاء مفردة، منها: «تصحيفات المحدِّثين» لأبي أحمد العسكري،
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (١/ ١٤٨).
(٢) انظره في بابه (ح رقم ١٠).
(٣) العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد (٢/ ٥٤٠ رقم ٣٥٦٤) (مزاحم) بالزاي والحاء المهملة والصحيح ب (الراء والجيم).
[ ١ / ٣٥ ]
و«إصلاح خطأ المحدِّثين» للخطابي، و«التظريف في التصحيف» للسيوطي. وأكثر ما يقع التصحيف في الأسماء؛ لذا تجد كثيرًا من المصنفين يجتهدون في دفع هذا الوهم بإلحاق الكلمة بتوضيح لها كما ذكرناه في ابن مزاحم وابن مراجم.
وهناك مؤلفات لضبط هذه الأسماء ورفع اللبس والوهم، منها: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني، و«تلخيص المتشابه» للخطيب البغدادي، و«الإكمال» لابن ماكولا، و«توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين الدمشقي، و«تبصير المنتبه» لابن حجر العسقلاني.