جوَّز أهل العلم اختصار الحديث وجعلوا لذلك شروطًا منها أن لا يكون الاختصار مخلًا بالمعنى مفسدًا له، وأن يكون القائم بذلك عالمًا بالمعاني.
ومن أمثلة الاختصار المخل بالمعنى ما وقع لأمير المؤمنين في الحديث شعبة في حديثه أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن التزعفر والصحيح كما في مسلم وغيره أنَّ هذا النهي خاصًا بالرجال وليس عامًا. ولفظه نهى رسول الله ﷺ أن يتزغفر الرجل (^١).
وقوله في الحديث الآخر: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» فحصر نواقض الوضوء في هذا، والصحيح هو ما رواه الآخرون: «إذا وجد أحدكم من بطنه شيئًا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو ريحًا» (^٢).
_________________
(١) ح رقم (٧٩).
(٢) ح رقم (٤٧).
[ ١ / ٣٦ ]
ومن أمثلته ما رواه ابن عيينة مرفوعًا قال: (رخص للرماة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا). والصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ لم يرخص لهم بترك الرمي كلية في يوم، إنما رخص للرماة أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يؤجلوا رمي أول أيام التشريق إلى اليوم الذي يليه (^١).
ومن أمثلته أيضًا ما رواه شعبة (^٢) أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى خلف أبي بكر، والصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ كان إمامًا وأبو بكر يأتمّ به والناس يأتمّون بأبي بكر.
ومن أمثلته ما وقع لإسحاق بن راهويه (^٣)، وهو إمام حافظ ثقة ثبت، فقد روى عن شبابة بن سوار، عن ليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فزالت الشمس صلَّى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل.
خالفه عمرو الناقد وجماعة فرووه عن شبابة بهذا الإسناد فقالوا: كان النبيُّ ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخَّر الظهر حتى يدخل أوَّل وقت العصر ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت قبل أن يرتحل صلَّى الظهر ثم ركب.
وكذلك رواه عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث.
قال الذهبي: وهذا على نبل رواته منكر، فقد رواه مسلم عن الناقد، عن شبابة، … (^٤) إلخ. ثم قال: ولا ريب أنَّ إسحاق كان
_________________
(١) ح رقم (١٠٢).
(٢) ح رقم (٨١).
(٣) ح رقم (١٠٥٤).
(٤) ميزان الاعتدال (١/ ١٨٠) وتهذيب التهذيب (١/ ٩١).
[ ١ / ٣٧ ]
يحدِّث الناس من حفظه ولعله اشتبه عليه (^١).
لذا ذهب بعض أهل العلم إلى كراهة اختصار الحديث. فقد نقل الخطيب من طريق إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل قال: سمعت الخليل بن أحمد يقول: لا يحلّ اختصار حديث النبيِّ ﷺ لقوله: رحم الله امرأً سمع منا حديثًا فبلَّغه كما سمعه (^٢).
وعن يعقوب بن شيبة قال: كان مالك لا يرى أن يختصر الحديث إذا كان عن رسول الله ﷺ، ونقل عن أبي عاصم النبيل أنه كان يكره الاختصار في الحديث لأنهم يخطئون المعنى (^٣).
ونقل ابن رجب عن أبي بكر الخلال قال: إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى لا أصل اختصار الحديث، قال: وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار بالمعنى (^٤).
وقال عنبسة: قلت لابن المبارك: علمت أنَّ حماد بن سلمة كان يريد أن يختصر الحديث فيقلب معناه فقال لي: أوَفطنت له؟ (^٥).
ومن المبرزين في الاختصار سفيان الثوري، قال ابن المبارك: علمنا سفيان اختصار الحديث (^٦).
_________________
(١) انظر ح (١٠٩٦).
(٢) الترمذي (٢٦٥٧)، والدارمي (٢٣٠)، وابن حبان (٦٨)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وتتمة الحديث: «فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع».
(٣) الكفاية (١/ ١٩١ - ١٩٢).
(٤) فتح الباري (٢/ ١٠٥).
(٥) الكفاية (١/ ١٩٢).
(٦) مسند ابن الجعد (١٨٢٣) والكفاية (١/ ١٩٢).
[ ١ / ٣٨ ]
ومع إمامته وتقدمه فقد حصل له وهم بسبب الاختصار كما قال أبو داود وابن حبان فانظره في بابه الحديث الحادي عشر.
والله تعالى أعلم.