وإنَّ من أسباب الوهم أيضًا طول الأسانيد وتشابه الأسماء والألقاب، وإليك هذه القصة لتعلم صعوبة حفظ الأسماء:
لمّا قدم أبو الفضل الهمذاني نيسابور تعصبوا له ولقبوه بديع الزمان فأُعجب بنفسه إذ كان يحفظ المائة بيت إذا أُنشدت مرة وينشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، فأنكر على الناس قولهم فلان الحافظ في الحديث ثم قال: وحفظ الحديث مما يذكر. فسمع به الحاكم ابن البيع (صاحب المستدرك) فوجه إليه بجزء وأجَّل له جمعة في حفظه فردَّ إليه الجزء بعد الجمعة وقال: مَنْ يحفظ هذا محمد بن فلان وجعفر بن فلان عن فلان أسامي مختلفة وألفاظ متباينة. فقال له الحاكم: فاعرف نفسك واعلم أنَّ هذا الحفظ أصعب مما أنت فيه (^٣).
_________________
(١) النكت على ابن الصلاح (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، ونقله عنه الصنعاني في توضيح الأفكار (١/ ٢٧).
(٢) انظر ح رقم (١٣٨).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٧٣).
[ ١ / ٤٢ ]
وقد وقع في مسند الإمام أحمد وهم منشأه الاختصار في ذكر اسم راوي الحديث، فقد أخرج في مسنده من مسند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثنا وكيع، ثنا عبد الملك بن مسلم الحنفي عن أبيه، عن علي، قال: جاء أعرابي إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نكون بالبادية فتخرج من أحدنا الرويحة. فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله لا يستحي من الحق، إذا فعل أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن». وقال مرة: «في أدبارهن» (^١).
وعلي هذا ليس بعلي بن أبي طالب بل هو علي بن طلق (^٢).
فالحديث أخرجه الترمذي قال: حدثنا قتيبة وغير واحد قالوا: حدثنا وكيع به. وقال عقبة: وعلي هذا هو علي بن طلق (^٣).
وأخرجه النسائي في «السنن الكبرى» قال: باب ذكر حديث علي بن طلق في إتيان النساء في أدبارهن وأورد فيه هذا الحديث من طريق هناد بن السري عن وكيع (^٤).
وقد روى هذا الحديث أحمد بن خالد الوهبي (^٥) عن عبد الملك بن مسلم فقال: علي بن طلق.
_________________
(١) المسند (١/ ٨٦)، وأخرجه الخطيب في تاريخه (١٠/ ٣٩٨) من طريقه.
(٢) علي بن طلق بن المنذر بن قيس الحنفي اليمامي: صحابي له أحاديث (د، ت، ن).
(٣) سنن الترمذي (١١٦٦).
(٤) السنن الكبرى (٥/ ٣٢٤).
(٥) النسائي في الكبرى (٩٠٢٤) وابن جرير في تهذيب الآثار (٣/ ٢٠٤).
[ ١ / ٤٣ ]
قال الخطيب في تاريخه: وعلي الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب وإنما هو علي بن طلق الحنفي بيَّن نسبه الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبد الملك وقد وهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب (^١). وقد نبَّه إلى هذا الوهم أيضًا ابن عساكر (^٢)، وابن كثير، والهيثمي (^٣)، وابن حجر (^٤).
قال ابن كثير: ومن الناس مَنْ يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل والصحيح أنه علي بن طلق (^٥).
وخالفهم الشيخ أحمد شاكر فذكر في تعليقه على المسند (^٦) إلى أنَّ قول الترمذي ومَن وافقه كابن كثير وابن حجر وغيرهم خطأ وأنَّ الصحيح ما ذهب إليه الإمام أحمد وأنَّ الحديث هو لعلي بن أبي طالب وليس لعلي بن طلق.
والصحيح هو ما ذهب إليه الترمذي والنسائي ومَن تابعهم وذلك لأن وكيعًا رواه عن عبد الملك بن مسلم ولم ينسب عليًا، ورواه أحمد بن خالد فقال: علي بن طلق، فهو مفسر لما أبهمه وكيع.
_________________
(١) تاريخ بغداد (١٠/ ٣٩٨).
(٢) ذكره محققو المسند (٢/ ٨٢).
(٣) في المجمع (١/ ٢٤٨) (٤/ ٣٠٢).
(٤) تلخيص الحبير (١/ ٢٧٤).
(٥) في تفسيره (١/ ٣٨٥).
(٦) المسند (١/ ٦٥٥).
[ ١ / ٤٤ ]
الأمر الثاني: روى هذا الحديث شعبة (^١)، والثوري (^٢)، وجرير (^٣)، ومعمر (^٤)، وأبو معاوية (^٥)، وغيرهم (^٦) عن عاصم بن سليمان الأحول عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، ومسلم بن سلام هو الذي روى عنه ابنه عبد الملك وعنه وكيع هذا الحديث.
قلت: وقد وهم في هذا الحديث أيضًا ثلاثة من أئمة الحديث فقال شعبة: (طلق بن يزيد أو علي بن طلق). وقلب إسناده معمر كما تقدم وأسقط وكيع من الإسناد عيسى بن حطان لأن هذا الحديث قد خالفه فيه ستة من الحفّاظ فقالوا: (عن عبد الملك بن مسلم، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي) فانظره في أبوابهم (^٧).