فلهذه الأسباب وغيرها حرصت منذ سنين أن أقوم بجمع بعض المشتهرات، من الأحاديث والآثار والقصص والأشعار، التي كثر انتشارها واشتهارها في أوساط الناس في عصرنا هذا، وحرصت أن لا أذكر في كتابي هذا إلا أخبارًا ساقطة، بأسانيد واهية، أو لا أصل لها، أو أجمع أهل العلم بالنقل على بطلانها، أو ذهب أكثر المحققين من أهل العلم بالحديث إلى تضعيفها، وأما غير ذلك فقليل نادر، ممالم أجد من تكلم عليه إلا آحاد العلماء من المتقدمين أو المتأخرين، وحاولت أن أجمع ما أمكن بين المتقدمين والمتأخرين في الحكم على الحديث (^١)، أو الأثر، أو القصة، أو الأبيات الشعرية، وبخاصة علماء الدعوة السلفية المعاصرين،
_________________
(١) قد يقول قائل: لقد أكثرت من النقل عمن لم يشتهر بعلم الحديث كالعجلوني وابن الديبع والبيروتي وغيرهم؟. والجواب: إنما فعلت ذلك لاتحاد موضوع كتابي مع موضوع كتبهم، وهو جمع الأحاديث المشتهرة.
[ ١ / ١٠ ]
وذلك لجهودهم المبذولة المشهورة، والمشكورة في خدمة الإسلام والمسلمين، كيف لا وهم المقيَّضون لحراسة قلعة السنة من عبث العابثين، وإفساد المفسدين.
ولِما جعل الله لهم من القبول في قلوب الناس، والتسليم لأحكامهم وفتاويهم، وكذلك ليرتبط الناس بخير خلف لخير سلف. مثل: خاتمة المحدثين، وصيرَفي الحديث، من وُصف بطول الباع، وسعة الاطلاع، وقوة الإقناع، العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وكذا الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، سماحة العلامة عبد العزيز بن باز، وشيخنا العلامة المجاهد سيف السنة، وقامع البدعة، محدث الديار اليمنية، والجزيرة العربية، مقبل بن هادي الوادعي (^١)، والعلامة المتفنن البارع بحر العلوم، شيخنا محمد بن صالح العثيمين، واللجنة الدائمة المبجلة حرسها الله.
أولئك أشياخي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا أُخي المجامع
رحم الله من مات منهم وسقاهم من سلسبيل الجنة، وحفظ الله من بقي ومتع به.
_________________
(١) فقد كان يقول ﵀: (يا حبذا لو ألَّفَ طالب علم في الأحاديث المشتهرة العصرية التي لم تكن في زمن المتقدمين). "السير الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" (ص: ٣٠١).
[ ١ / ١١ ]
وقد قمت بتقسيم البحث إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الأحاديث.
القسم الثاني: الآثار (^١).
القسم الثالث: القصص.
_________________
(١) قال العلامة الألباني ﵀ جوابًا على رسالة أبي إسحاق الحويني، حيث قال أبو إسحاق: توقفت طويلًا في الحكم على الآثار التي يوردها ابن كثير: هل أخضعها لقواعد المحدثين من النظر في رجال السند، واعتبار ما قيل فيهم من جرح وتعديل، أم أتساهل في ذلك، وأدَّاني البحث والتأمل أنه لابد من إخضاع كل ذلك لقواعد المحدثين، إذ الكل نقلٌ، وأصول الحديث إنما وضعها العلماء لذلك. ولأني أشعر بخطورة الأمر عرضت ما وصلت إليه على من أثق بعلمه ورأيه من شيوخي وإخواني، فكتبت لشيخنا الشيخ الإمام حسنة الأيام أبي عبد الرحمن ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى ومتع به أذكر له ما انتهى إليه بحثي، وما اخترته منهجًا لي في العمل، وذلك في آخر شوال ١٤١٥ هـ فأجابني إلى ما أردت برغم مرضه الشديد - آنذاك - عافاه الله ورفع عنه. … وهاك رسالة شيخنا حفظه الله: … وإذا كان من المعلوم ومن المتفق عليه أنه لا سبيل إلى معرفة الصحيح المنقول من ضعيفه، سواء كان الحديث مرفوعًا أو أثرًا موقوفًا إلا بإسناد، ولذلك قال بعض السلف: لو لا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فكيف يصح أن ينُسب إلى ابن تيمية وغيره من المحققين أنهم لا يعتبرون الأسانيد في نسبة الأقوال إلى قائليها؟ وكيف يمكن معرفة الصحيح من غيره إلا بالإسناد، لا سيما وفي الآثار قسم كبير له حكم الرفع بشروط معروفة، لا مجال الآن لذكرها، من أهمها أن لا يكون من الإسرائيليات. وختامًا: فإني أرى أنه لا بد من إخضاع أسانيد التفسير كلها للنقد العلمي الحديثي، وبذلك نتخلص من كثير من الآثار الواهية التي لاتزال في بطون كتب التفسير، وما كان سكوت العلماء عنها إلا لكثرتها وصعوبة التفرغ لها، وعليه أقترح حصر النقد بما لا بد منه من الآثار المتعلقة بالتفسير بما يعين على الفهم الصحيح، أو يصرف غيره تصحيحًا وتضعيفًا، والإعراض عما لا حاجة لنا به من الآثار … وكتبه محمد ناصر الدين الألباني. "تحقيق تفسير ابن كثير" (١/ ٨) للحويني ط. ابن الجوزي.
[ ١ / ١٢ ]
القسم الرابع: الأشعار (^١).
• وقد ذكرت مصادر البحث والتحقيق من باب الأمانة والتوثيق، إلا ما ندر، أو كان سماعًا من شيخنا الوادعي ﵀.
• واستخدمت في حكمي على الحديث كلمة (ضعيف)، أو (موضوع) أو (لا أصل له)، أو (منكر)، أو (ليس بحديث)، أو ما شابهها من المصطلحات المعروفة عند كثير من القراء تسهيلًا لهم، مع أن الحديث قد يكون معضلًا، أو مرسلًا، أو منقطعًا، … فأُبيِّن ذلك في الكلام على علة الحديث.
• وقد أذكر أحيانًا تحت حديث الباب بعض الأحاديث الضعيفة التي في معناه.
• وقد قمت بالتعليق بعد التخريج والتحقيق على كل حديث بما يُناسبه، فإن كان معناه صحيحًا نصرته وبينته، وأتيت بما
_________________
(١) قد يقول قائل: حتى الأبيات الشعرية يُنظر في سندها، وفي صحة نسيبتها إلى قائلها؟! والجواب: نعم يُنظر في سندها، وفي صحة نسبتها إلى قائلها. قال شيخنا العلامة المحدث وصي الله عباس: ثم إن المساجلات الشعرية والمكاتبات الافتخارية التي تَنْتَحِل بعض كتب الأدب والتاريخ إلى علي -﵁- ومعاوية -﵁- لهي من أبشع ما يُنقل ويُنسب إليهما. ولا شك أن كثيرًا من أمثال هذه الروايات يُنقل بدون خُطُم ولا أزِمَّة وبدون أسانيد وإن كانت مسندة فلا تجدها إن شاء الله سالمة من متهم بالكذب، أو منكر الحديث ثم قال حفظه الله: فيجب أن لا تقبل الروايات من أي نوعٍ كانت إلا ما ثبت منها برواية ثقات عدول على ميزان نقد المحدثين في قبول الروايات عامة. اهـ. "المسجد الحرام تاريخه وأحكامه" (ص: ٨، ٩).
[ ١ / ١٣ ]
يُؤيده ويُغني عنه من الأحاديث الصحيحة، وإن لم يكن معناه صحيحًا نبهت على ذلك، وبيَّنت وجه الصواب فيه، فجاء الكتاب بفضل الله الملك الوهاب معالجًا لأمراض شتى، من بيان الصحيح من الضعيف في الحكم على الأحاديث والآثار، والقصص والأشعار، وبيان ما تحمله بعض هذه الأخبار من عقائد فاسدة، ومفاهيم خاطئة، وسلوكيات شاذة، وانحرافات مخالفة للكتاب والسنة، شوهت جمال الإسلام عند غير أهله، كل ذلك تجده بإذن الله في التعليق على الأحاديث.
والحق أن هذا التعليق يحمل علمًا غزيرًا، وفقهًا وفيرًا، جمعت فيه ما تفرق من الفوائد والشوارد، فأصبح كالعذب الزلال لكل شارب ووارد، أوكأزهار متناثرة في حدائق ذات بهجة فيها من كل زوج بهيج، التقطتها ليستفيد منها القريب والبعيد، فهو كتاب عجيب له من اسمه أعظم نصيب.
وإذا أردت منازلَ الأشَرَافِ فاقرأ هُدِيتَ الرشدَ في الإسعَافِ
وانهل من العذبِ الزلالِ مواردا وانأ بنفسك عن ذوي الإجحافِ
فيا أيها الناظر فيه لك غنمه وعليَّ غرمه، ولك صفوه وعليَّ كدره، وهذه بضاعتنا المزجاة تُعرض عليك، وبنات أفكارنا تُزف إليك، فإن
[ ١ / ١٤ ]
صادفت كفؤًا كريمًا لم تعدم منه إمساكًا بمعروف، أو تسريحًا بإحسان، وإن كان غير ذلك فالله المستعان (^١).
وقديمًا قال الصولي: المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من مُنشئه.
ورحم الله العماد الأصفهاني القائل: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غيرت هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
وقال المزني -﵀-: قرأت كتاب "الرسالة" على الإمام الشافعي -﵀- ثمانين مرة، فما من مرة إلا وكان يقف على خطأ، فقال الشافعي: هيه -أي حسبك واكْفُفْ- أبى الله أن يكون كتاب صحيحًا غير كتابه (^٢).
قال أحدهم: …
كم من كتابٍ قد تصفَّحتُهُ … وقلتُ في نفسي أصلحتُهُ
حتى إذا طالعته ثانيًا … وجدتُ تصحيفًا فصححتُهُ
وإني لمعترف بالتقصير في تناول هذا الموضوع سلفًا، وهذا جهد بشري يعتريه الخطأ والنقص. (وأفضل الصدقة جهد المقل) (^٣).
_________________
(١) مقتبس من كلام ابن القيم ﵀. "حادي الأرواح" (ص: ١٢).
(٢) صحيح "جامع بيان العلم وفضله" (ص: ٨٠).
(٣) أخرجه أبو داود والبغوي وانظر "الصحيحة" رقم (٥٦٦) و"الإرواء" (٨٩٧).
[ ١ / ١٥ ]
والله أسأل أن يبارك في كل من ساهم في إنجاز هذا السَّفْر المبارك، وأسأله سبحانه أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، طاهرًا من شوائب الإحباط، وأن ينفع به طالبي الحق، ورواد الحقيقة، والباحثين عنها، وأتضرع إلى من إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، أن يجعله من الأعمال التي لا ينقطع نفعها عني بعد إدراجي في الأكفان، ومفارقة الأهل والأوطان، كما أسأله سبحانه باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب، أن يجعل هذا العمل حجابًا لي في الحياة من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وحجابًا من النار يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وله سبحانه وبحمده الشكر عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته على ما وفق وأسدى، وعلى نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وعلى آله وأصحابه مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. …
كتبه الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه
أبو عمار محمد بن عبد الله باموسى
اليمن - الحديدة - مركز السلام العلمي
[ ١ / ١٦ ]