(لا أصل له)
هذا الحديث مع شهرته الكبيرة في أوساط الناس إلا أنه لا أصل له كما صرَّح بذلك جمع من أهل العلم منهم:
(١) السبكي، قال: ليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع. "فيض القدير" (١/ ٢٧٤).
(٢) ابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (٢/ ٦١) قال: ليس بحديث. وقال في موضع آخر: باطلٌ مكذوب.
(٣) العراقي، قال: ذكره البيهقي في "رسالته الأشعرية" بغير إسناد بهذا اللفظ. "إتحاف السادة المتقين" (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٤) الفتني في "تذكرة الموضوعات" (ص: ٩٠ - ٩٢).
(٥) الألباني في "الضعيفة" (١/ ١٤١) رقم (٥٧) قال: لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يقفوا (^١).
(٦) الوادعي في "المقترح" (ص: ٩) و"إجابة السائل" (ص: ٣١٥، ٥١٩) قال: لا يوجد له سند ولا يثبت عن النبي -ﷺ-.
_________________
(١) وانظر كذلك "ضعيف الجامع" (٢٣٠)، و"إصلاح المساجد" (ص: ١٤) حاشية، و"صفة الصلاة" (ص: ٥٨).
[ ١ / ٥٣ ]
(٧) الإمام ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" (مجلد ٢٦) قال: ليس بصحيح، هذا من كلام بعض السلف، من كلام القاسم بن محمد في اختلاف أصحاب النبي -ﷺ-، قال: وما أظنه إلا رحمة، وليس بحديث.
(٨) شيخنا ابن عثيمين في "تفسير سورة البقرة" (آية: ١١٦) قال: لا يصح.
(٩) اللجنة الدائمة للإفتاء (٤/ ٤٠٧) قالت: (اختلاف أصحابي لكم رحمة) ضعيف.
وقد ذكر هذا الحديث جمع من العلماء ممن ألَّف في الأحاديث المشتهرة منهم: السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٦)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" (٣٩)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ١١)، والصالحي في "الشذرة" (٣٧)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١٥٣)، والبيروتي في "أسنى المطالب" (٧٥).
التعليق:
قال العلامة الألباني (^١) -﵀- معلقًا على هذا الحديث مبينًا أن الاختلاف شر وليس برحمة: ثم إن معنى هذا الحديث مُستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في "الإحكام في أصول
_________________
(١) "الضعيفة" (٥٧) و"صفة صلاة النبي -ﷺ- " (ص: ٥٩).
[ ١ / ٥٤ ]
الأحكام" (٥/ ٦٤) بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا مالا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط.
وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرًا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة، ولا يحاولون أبدًا الرجوع بها إلى الكتاب والسنة الصحيحة، كما أمرهم بذلك أئمتهم -﵃-، بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة -﵃- إنما هي كشرائع متعددة، يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف للدليل، وقبول بعضها الآخر الموافق له، وهذا ما لا يفعلون! وبذلك فقد نسبوا إلى الشريعة التناقض! وهو وحده دليل على أنه ليس من الله ﷿ لوكانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن … ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ ﴿النساء: ٨٢﴾.
فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذًا جعله شريعة متبعة ورحمة مُنزَّلة؟ وبسبب هذا الحديث ونحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى اليوم مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شر، كما قال ابن مسعود وغيره -﵁- ودلت على ذمِّه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، لسعوا
[ ١ / ٥٥ ]
إلى الاتفاق ولأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يُعرف بها الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، ثم عذر بعضهم بعضًا فيما قد يختلفون فيه، ولكن لماذا هذا السعي وهم يرون أن الاختلاف رحمة، وأن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة؟ وإن شئت أن ترى هذا الاختلاف، والإصرار عليه، فانظر إلى كثير من المساجد تجد فيها أربعة محاريب يُصلي فيها أربعة من الأئمة! ولكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة مع إمامهم كأنهم أصحاب أديان مختلفة! وكيف لا وعالمهم يقول: إن مذاهبهم كشرائع متعددة! يفعلون ذلك وهم يعلمون قوله -ﷺ-: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) رواه مسلم وغيره، ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب؛ كأن المذهب محترم عندهم ومحفوظ أكثر من أحاديثه ﵊!.
وجملة القول: إن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن، لأنه من أسباب ضعف الأمة كما قال تعالى ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ﴿الأنفال: ٤٦﴾.
أما الرضا به، وتسميته رحمة، فخلاف الآيات الكريمة المصرحة بذمه كما قال تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ ﴿الرُّوم: ٣١ - ٣٢﴾
[ ١ / ٥٦ ]
وقال تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ﴿هود: ١١٨ - ١١٩﴾ ولا مستند لهم إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله -ﷺ-.
وهنا يرد سؤال وهو أن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم الذم المذكور؟
وقد أجاب عنه ابن حزم -﵀- فقال في "الإحكام": كلا. ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله ووجهته الحق، فالمخطئ منهم مأجور أجرًا واحدًا لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رُفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه، ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن وكلام النبي -ﷺ- بعد بلوغ النص إليهم، وقيام الحجة به عليه وتعلق بفلان وفلان مقلدًا عامدًا للاختلاف، داعيًا إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصدًا للفرقة، ومتحريًا في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته، وترك القرآن وكلام النبي -ﷺ- فهؤلاء هم المختلفون المذمومون.
وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن الله وعن رسوله -ﷺ-. اهـ.
[ ١ / ٥٧ ]
ويشير في آخر كلامه إلى (التلفيق) المعروف عند الفقهاء، وهو أخذ قول العالم بدون دليل وإنما اتباعًا للهوى، أو الرخص، وقد اختلفوا في جوازه، والحق تحريمه لوجوه لا مجال الآن لبيانها، وتجويزه مستوحى من هذا الحديث، وعليه استند من قال: من قلد عالمًا لقي الله سالمًا، وكل هذا من آثار الأحاديث الضعيفة، فكن في حذر منها إن كنت ترجو النجاة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ ﴿الشعراء: ٨٨ - ٨٩﴾.
وقال شيخنا العلامة الوادعي (^١) -﵀-: أما الاختلاف هل هو رحمة أم ليس برحمة؟
ليس برحمة لأن الله ﷿ يقول في كتابه الكريم ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ﴿هود: ١١٨ - ١١٩﴾ مفهوم الآية الكريمة أن الذين ﵏ لايختلفون، والنبي -ﷺ- يقول كما في "الصحيحين": (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم، كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).
والرسول -ﷺ- يقول كما في "صحيح البخاري" من حديث عبد الله ابن مسعود -﵁-: أنه اختلف هو ورجل في القراءة فأتيا إلى الرسول -ﷺ- فقال: (اقرأا ولا تختلفا كما اختلف الذين من قبلكم فتهلكوا كما هلكوا).
_________________
(١) "إجابة السائل" (ص: ٣١٥ - ٣١٦).
[ ١ / ٥٨ ]
وفي الصحيح أيضًا أن النبي -ﷺ- قال: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، وفي رواية: (أوليخالفن الله بين قلوبكم).
وروى الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي ثعلبة الخشني -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- وقد رأى أصحابه متفرقين تحت الأشجار في غزوة من الغزوات فقال: (إن تفرقكم من الشيطان)، وذا كان في تفرق الأجسام فما ظنك بتفرق القلوب، ورب العزة يقول في كتابه الكريم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ﴿آل عمران: ١٠٣﴾ ويقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ﴿الأنعام: ١٥٩﴾ ثم بعد ذلك النظر إلى الواقع، إخواني في الله هل الاختلاف رحمة، أم أصبحت معارك؟ ومن قرأ التاريخ وجد اصطدامًا بين الحنابلة والشافعية، ووجد اصطدامًا أيضًا بين الزيدية وسائر الفرق، أما الاصطدام بين الشيعة وأهل السنة فعلى استمرار التاريخ، نسأل الله أن يجمع شمل المسلمين آمين.
وقال أيضًا (^١): الاختلاف الذي يُعد هلاكًا؟ هو اختلاف التضاد الذي كان ينكره النبي -ﷺ- والصحابة، اختلاف التضاد قال -ﷺ- كما في "صحيح مسلم" من حديث سلمة ابن الأكوع -﵁- قال: رأى النبي -ﷺ- رجلًا يأكل بشماله، فقاله له: (كل بيمينك)، قال: لا أستطيع، قال له: (لا استطعت)، فما رفعها إلى فيه، ما منعه إلا الكبر.
_________________
(١) "إجابة السائل" (ص: ٥١٩ - ٥٢١).
[ ١ / ٥٩ ]
وأيضًا دخل النبي -ﷺ- كما في "الصحيح" من حديث أبي هريرة -﵁- على شيخ وهو مريض، فقال له النبي -ﷺ-: (طهور)، فقال الشيخ الكبير: بل حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال النبي -ﷺ-: (فنعم إذًا)، وحُرم بركة الدعوة النبوية؛ ورجل أيضًا آخر قد ذكرنا لكم قصته، وهو أن ذلكم الرجل عند أن تضاربت امرأتان، فضربت إحداهما الأخرى في بطنها فأسقطت، فقضى فيها رسول الله -ﷺ- بغرة، (عبد)، فجاء حمل بن مالك النابغة، وقال: يا رسول الله كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا تكلم ولا استهل، -أو بهذا المعنى- فمثل ذلك يطل، فغضب النبي -ﷺ-، لأنه أراد أن يبطل حكم الله بسجعه، فقال: (إنما هذا من إخوان الكهان) من أجل سجعه؛ وأما إنكار أهل العلم على من رد سنة رسول الله -ﷺ- برأيه فهذا أمر لا يتسع له المقام، وقد ذكرت جملة من هذا في "شرعية الصلاة في النعال"، في آخرها، وفي "ردرود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر"، والحمد الله رب العالمين.
وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين (^١) -﵀-: إن الاختلاف ليس رحمة، بل إنه شقاق وبلاء، وبه نعرف أن ما يُروى عن النبي -ﷺ- أنه قال: (اختلاف أمتي رحمة)، لا صحة له، وليس الاختلاف برحمة، بل قال الله ﷾ ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ﴿هود: ١١٨ - ١١٩﴾
_________________
(١) "تفسير سورة البقرة" (آية ١١٦).
[ ١ / ٦٠ ]
أي فإنهم ليسوا مختلفين، نعم الاختلاف رحمة، بمعنى: أن من خالف الحق لاجتهاد فإنه مرحوم بعفو الله عنه، فالمجتهد من هذه الأمة إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، والخطأ معفو عنه، وأما أن يُقال هكذا على الإطلاق: إن الاختلاف رحمة، فهذا مقتضاه أن نسعى إلى الاختلاف، لأنه هو سبب الرحمة على مقتضى زعم هذا المروي! فالصواب أن الاختلاف شر.
[ ١ / ٦١ ]