(ضعيف)
قال السخاوي: رواه العسكري في "الأمثال" عن علي -﵁- قال: قدم بنو نهد بن زيد على النبي -ﷺ- فقالوا: أتيناك من غور تهامة، وذكر خطبتهم وما أجابهم به النبي -ﷺ-، قالوا: يا نبي الله نحن بنو أبٍ واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك لتكلم العرب بلسان ما نفهم أكثره، فقال -ﷺ-: (إن الله ﷿ أدبني فأحسن تأديبي، ونشأتُ في بني سعد بن بكر).
قلت: هذا الحديث ضعيف لا يثبت كما نصَّ على ذلك جمع من العلماء، منهم:
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ٣٧٥) قال: معناه صحيح لكن لا يُعرف له إسناد ثابت (^١).
(٢) وأيَّده السخاوي في "المقاصد" (٤٥).
(٣) السيوطي في "الدرر المنتثرة" (٨).
(٤) الصالحي في "الشذرة" (٤٢).
(٥) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٦٢) رقم (١٦٤).
_________________
(١) وانظر كذلك "الأحاديث الضعيفة والباطلة" (ص: ٤٣) رقم (٦٣) لابن تيمية.
[ ١ / ٦٢ ]
(٦) الصعدي في "النوافح العطرة" (٦٨).
(٧) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٩٢) رقم (٢٥) باب فضائل النبي -ﷺ-.
(٨) البيروتي في "أسنى المطالب" (٨٦).
(٩) العلامة الألباني في "الضعيفة" (٧٢) و"ضعيف الجامع" (٢٤٩).
التعليق:
قلت: تبين لك ضعف هذا الحديث، ولا شك أنه قد اجتمع في رسول الله -ﷺ- من خصال الكمال ما لا يحيط به أحد ولا يحصره عدٌّ، أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم فقال ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ﴿القلم: ٤﴾ وكلمة (على) للاستعلاء، فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق، ومستولٍ عليها. والخلُقُ: ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة.
وقد وصف الله نبيه -ﷺ- بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم، فقال تعالى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ ﴿النساء: ١١٣﴾. ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ﴿القلم: ٤﴾ فدلَّ مجموع هاتين الآيتين على
[ ١ / ٦٣ ]
أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة.
قال الحليمي: وإنما وصف خُلقه -ﷺ- بالعظيم مع أن الغالب وصف الخلق بالكرم، لأن كرم الخُلق يُراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خُلُقه -ﷺ- مقصورًا على ذلك بل كان رحيمًا بالمؤمنين رفيقًا بهم، شديدًا على الكفار غليظًا عليهم، مهيبًا في صدور الأعداء، منصورًا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصف خُلقه بالعظيم أولى ليشمل: الإنعام، والانتقام.
وقال الجنيد: وإنما كان خُلقه -ﷺ- عظيمًا لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى.
وقيل: لأنه -ﷺ- عاشر الخلق بخلقه وباينهم بقلبه. وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال -ﷺ-: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) (^١).
فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه -ﷺ-، فإنه أُدب بالقرآن كما قالت عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن)، وقد كان -ﷺ- مجبولًا على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكية النقية، لم يحصل له
_________________
(١) رواه مالك في "الموطأ" وأحمد عن أبي هريرة، وحسنه الألباني ﵀ في "المشكاة" (٣/ ١٤١١) رقم (٥٠٩٦).
[ ١ / ٦٤ ]
ذلك برياضة نفس بل بجودٍ إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية العلية والمقام الأسنى، وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمال العقل لأن به تقتبس الفضائل وتجتنب الرذائل، فالعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان. قال بعضهم: لكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر (^١).
_________________
(١) وانظر "الزهور الندية في خصائص وأخلاق خير البرية" (ص: ٩٨ - ٩٩) بتصرف.
[ ١ / ٦٥ ]