(ضعيف) …
قال العلامة الألباني: رواه ابن إسحاق في "السير" (٤/ ٣١ - ٣٢) وعنه الطبري في "التاريخ" (٣/ ١٢٠).
ثم قال: هذا الحديث على شهرته ليس له إسناد ثابت، وهو عند ابن هشام معضل، وقد ضعَّفه الحافظ العراقي، كما بينته في "تخريج فقه السيرة" (ص: ٤١٥) حاشية.
وقال في "الضعيفة" (١١٦٣): وهذا سند ضعيف مرسل، لأن شيخ ابن إسحاق لم يُسمَّ، وقد قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم، فهو مجهول ثم هو ليس صحابيًا، لأن ابن إسحاق لم يدرك أحدًا من الصحابة، بل هو يروي عن التابعين وأقرانهم، وهو مرسل أو معضل.
"دفاع عن الحديث النبوي والسيرة" (ص: ٤١).
قلت: وقد ذكر هذا الحديث جمع من أهل العلم (^١) ولم يتكلموا عليه صحة أوضعفًا، والحجة كما قال العلامة الألباني في الرد على البوطي
_________________
(١) منهم: الطبري في "تاريخه" (٢/ ١٦١)، وابن خلدون في "التاريخ" (٢/ ٤٤٥)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (٤/ ٣٠٠)، وابن القيم في "الزاد" (٣/ ٤٠٨)، وابن حجر في "الفتح" (٧/ ٦١٢)، والمناوي في "فيض القدير" (٥/ ٢١٨)، وصديق حسن خان في "الروضة الندية" (٣/ ٤٧٥)، والصنعاني في "سبل السلام" (١/ ١٩٩)، والشوكاني في "فتح القدير" (٢/ ٦٠).
[ ١ / ١٠١ ]
(ص: ٤١ - ٤٢): إن كان يرى -أي البوطي- أن هذا الحديث صحيح فليثبت لنا ذلك نكن له من الشاكرين، أم هو يجري على القول المشهور: (الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور).
التعليق:
قلت: وإن كان هذا الحديث لا يصح عن النبي -ﷺ-، إلا أنه -ﷺ- صاحب الخلق العظيم والقلب الرحيم، والعفو العميم، والصفح الجميل، وحسبك صبره وعفوه -ﷺ- عن الكافرين به المقاتلين المحاربين له، في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد، بحيث كُسِرَت رباعيته وشُجَ وجهه يوم أحد حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شق ذلك على أصحابه شديدًا وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) (^١).
وههنا دقيقة وهي أنه -ﷺ- لما شج وجهه عفا وقال: (اللهم اهد قومي) وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: (اللهم املأ بطونهم نارًا) فتحمل الشجة الحاصلة في وجه جسده الشريف، وما تحمل الشجة الحاصلة في دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة فرجَّح حق خالقه على حقه، واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على التألم بما يفعل بها، لهذا شق عليه -ﷺ- نسبتهم له إلى الجور في
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ١ / ١٠٢ ]
القسمة لكنه ﵊ حَلُمَ على القائل وصبر لما علم جزيل ثواب الصابر، وأن الله يأجره بغير حساب، وصبره -ﷺ- على الأذى إنما هو فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله فإنه يمتثل فيه أمر الله تعالى من الشدة كما قال له تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿التحريم: ٩﴾.
وقد وقع له عليه الصلاة السلام أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة -ﷺ- (^١).
_________________
(١) "الزهور الندية في خصائص وأخلاق خير البرية " (ص: ١٠٢ - ١٠٣).
[ ١ / ١٠٣ ]