(موضوع)
أخرجه ابن عبد البر في"جامع بيان العلم" (٢/ ٩١)، وابن حزم في "الإحكام" (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) عن جابر ﵄ مرفوعًا.
في سنده: سلام بن سليمان مجمع على ضعفه.
بل قال ابن خراش: كذَّاب.
وقال ابن حبان: روى أحاديث موضوعة.
قلت: وقد نصَّ جمع من أهل العلم على بطلان هذا الحديث، منهم:
(١) ابن عبد البر، قال: هذا إسناد لا تقوم به حجة.
(٢) ابن حزم في "الإحكام" (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢) قال: هذه رواية ساقطة وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك.
(٣) ابن الملقن في الخلاصة.
(٤) البيهقي، كما نقل عنه الحافظ في "التلخيص".
(٥) شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (٧/ ١٤٢ - ١٤٣).
[ ١ / ١٠٤ ]
(٦) ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٩٠) رقم (٢٠٩٨).
(٧) ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/ ٢٨٣).
(٨) العلامة الألباني في"الضعيفة" (٥٨).
(٩) اللجنة الدائمة (٢٩/ ٢١٦) رقم الفتوى (١٢٤٦٤).
التعليق:
قال العلامة الألباني (^١): قال ابن حزم: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلا، بل لا شك أنها مكذوبة، لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه -ﷺ- ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ ﴿النجم: ٣ - ٤﴾.
فإذا كان كلامه ﵊ في الشريعة حقًا كله وواجبًا فهو من الله تعالى بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا يختلف فيه، لقوله تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ ﴿النساء: ٨٢﴾، وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ﴿الأنفال: ٤٦﴾، فمن المحال أن يأمر رسوله -ﷺ- باتباع كل قائل من الصحابة ﵃، وفيهم من يحلل الشيء وغيره يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالًا اقتداءً بسمرة بن جندب -﵁-، ولكان أكل البرد للصائم حلالًا اقتداءً بأبي طلحة -﵁-، وحرامًا اقتداءً بغيره منهم،
_________________
(١) "الضعيفة" (٦١).
[ ١ / ١٠٥ ]
ولكان ترك الغسل من الإكسال واجبًا بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب، وحرامًا اقتداءً بعائشة وابن عمر وكل هذا مروى عندنا بالأسانيد الصحيحة.
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة وأخطأوا فيها السنة، وذلك في حياته -ﷺ- وبعد مماته.
ثم قال: فكيف يجوز تقليد قوم يخطئون ويصيبون؟!.
وقال قبل ذلك تحت باب (ذم الاختلاف): وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى، الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن رسول الله -ﷺ-، الذي أمره الله تعالى ببيان الدين … فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلًا، وقد غلط قوم فقالوا: (الاختلاف رحمة)، واحتجوا بما روي عن النبي -ﷺ-: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم).
قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق لوجوه ضرورية.
أحدها: أنه لم يصح من طريق النقل.
والثاني: أنه -ﷺ- لم يجز أن يأمر بما نهى عنه، وهو ﵇ قد أخبر أن أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسره، وكذَّب -أي خطأ- عمر في تأويل تأوله في الهجرة، وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدة،
[ ١ / ١٠٦ ]
فمن المحال الممتنع الذي لا يجوز البتة أن يكون ﵇ يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ.
فيكون حينئذ أمر بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له -ﷺ- من هذه الصفة، وهو ﵊ قد أخبر أنهم يخطئون، فلا يجوز أن يأمرنا باتباع من يخطيء، إلا أن يكون ﵇ أراد نقلهم لما رووا عنه، فهذا صحيح لأنهم ﵃ كلهم ثقات، فمن أيهم نقل، فقد اهتدى الناقل.
والثالث: أن النبي -ﷺ- لا يقول الباطل، بل قوله الحق، وتشبيه المشبه للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد وكذب ظاهر، لأنه من أراد جهة مطلع الجدي، فأم -اتجه- جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضل ضلالًا بعيدًا وأخطأ خطأ فاحشًا، وليس كل النجوم يهتدى بها في كل طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح كذب ذلك الحديث وسقوطه وضوحًا ضروريًا.
ونقل خلاصته ابن الملقن في "الخلاصة" وأقره، وبه ختم كلامه على الحديث، فقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط. اهـ.
قلت: تبين لك أخي الكريم عدم صحة الحديث، وعدم صحة معناه، لكن لا يشك مسلم في فضل الصحابة ﵃، وأن من سار على نهجهم واقتفى أثرهم اهتدى، فإن الله ﷾ قد بعث محمدًا -ﷺ- خاتم النبيين والمرسلين، هاديًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، واختار له أصحابًا
[ ١ / ١٠٧ ]
كانوا نجوم الاهتداء وأئمة الاقتداء، وهم الواسطة بيننا وبين رسول الله -ﷺ-، حفظوا كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ-، ونقلوها إلى كل من جاء بعدهم، وبلغوها وأدوها ناصحين محتسبين، فهم خير القرون وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله ﷿ عليهم وثناء رسول الله -ﷺ-، ولا أعدل ممن ارتضاه الله ﷿ لصحبة نبيه -ﷺ- ونصرتة، ولا تزكية أفضل من ذلك ولا تعديل أكمل منها، وهم أولى الناس بأن تُعرف أحوالهم، وما اتصفوا به من أخلاق عالية وصفات نبيلة، إذ في معرفة ذلك إضاءة الطريق أمام المؤمن الذي أحب أن يسير إلى الله على بصيرة، استنادًا إلى ما جاء في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، ومن هنا كان لزامًا على كل مسلم ومسلمة معرفة أخبارهم وأحوالهم على وجه الدقة، حتى يقتدى بهم على بصيرة وينشرها بين المسلمين (^١). …
ومن فضائل أصحاب رسول الله -ﷺ- ما أخرجه البخاري ومسلم (^٢) عن عبد الله بن مسعود -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: (خير الناس قرني (^٣) ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
_________________
(١) "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (١/ ٧).
(٢) البخاري (٢٤٥٨) ومسلم (٤٦٠١).
(٣) (تنبيه): لقد اشتهر هذا الحديث على كثير من ألسنة الناس بلفظ: (خير القرون قرني …) قال شيخنا الوادعي في"السير الحثيث" (ص: ٤٥٤): (خير القرون …) بهذا اللفظ ليس لها أصل. وقال العلامة الألباني "التنكيل" (٢/ ٢٠٨): هكذا اشتهر الحديث على الألسنة.
[ ١ / ١٠٨ ]
وأخرج مسلم (^١) في صحيحه عن أبي بردة عن أبيه ﵄ قال: (صلينا المغرب مع رسول الله -ﷺ-، ثم قلنا: لوجلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: (ما زلتم ها هنا؟) قلنا: يارسول الله، صلينا معك المغرب ثم قلنا نصلي معك العشاء، قال: (أحسنتم، أو أصبتم) قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).
وروى البخاري (^٢) عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله -ﷺ-؟ فيقولون: نعم فيفتح لهم).
وجاء عند ابن أبي شيبة عن واثلة بن الأسقع -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تزالون بخير مادام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير مادام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني) وهو حديث حسن.
[ ١ / ١٠٩ ]