(لا أصل له)
(١) قال العلامة الألباني -﵀في "الضعيفة" (٨): هذا الحديث لا أصل له وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة (^١). …
(٢) قالت اللجنة الدائمة في "الفتاوى" (٢٩/ ٢٦٩) رقم (١٣٧٩٣): ذلك ليس بحديث مرفوع عن الرسول -ﷺ-.
(٣) قال شيخنا ابن عثيمين في "شرح الأربعين النووية" (ص: ٣٩١): وهذا يروى حديثًا عن النبي -ﷺ- ولكنه ليس بحديث. وقال أيضًا في "فتاوى نورعلى الدرب" (٢/ ٢٣٤): هذا القول المشهور لا يصح عن النبي -ﷺ- فهو من الأحاديث الموضوعة.
قلت: وقد أفرد هذا الحديث برسالة مستقلة أحد المعاصرين بعنوان: (إياك أن تغتر بحديث اعمل لدنياك) قرر في هذه الرسالة عدم وجود أصل لهذا الحديث بهذا النص إلى رسول الله -ﷺ-.
_________________
(١) وانظر كذلك "إصلاح المساجد" (ص: ٦٨).
[ ١ / ١١٤ ]
التعليق:
قلت: قال العلامة الألباني -﵀- معلقًا على هذا الحديث (^١): ثم إن هذا السياق ليس نصًا في أن العمل المذكور فيه هو العمل للدنيا، بل الظاهر منه أنه يعني العمل للآخرة، والغرض منه الحض على الاستمرار برفق في العمل الصالح وعدم الانقطاع عنه، فهو كقوله -ﷺ-: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفق عليه.
وقال شيخنا العلامة ابن عثيمين (^٢) -﵀-: هذا القول المشهور لا يصح عن النبي -ﷺ- فهو من الأحاديث الموضوعة، ثم إن معناه ليس هو المتبادر إلى أذهان كثير من الناس، من العناية بأمور الدنيا والتهاون بأمور الآخرة، بل معناه على العكس، وهو المبادرة والمسارعة في إنجاز أعمال الآخرة، والتباطؤ في إنجاز أمور الدنيا، لأن قوله: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا) يعني أن الشيء الذي لا ينقضي اليوم ينقضي غدًا، والذي لا ينقضي غدًا ينقضي بعد غدٍ، فاعمل بتمهل وعدم تسرع، لو فات اليوم فما يفوت اليوم يأتي غدًا وهكذا، أما الآخرة (فاعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا) أي بادر بالعمل ولا تتهاون، وقدركأنك تموت غدًا بل أقول قدركأنك تموت قبل غد، لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه الموت، وقد
_________________
(١) "الضعيفة" (١/ ٦٣).
(٢) "فتاوى نور على الدرب" (٢/ ٢٣٤).
[ ١ / ١١٥ ]
قال ابن عمر ﵄: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) هذا هو معنى هذا القول المشهور، إذن فالجواب أن هذا لا يصح عن رسول الله -ﷺ-، وأن معناه ليس كما يفهمه كثير من الناس من إحكام عمل الدنيا، وعدم إحكام عمل الآخرة، بل معناه المبادرة في أعمال الآخرة، وعدم التأخير والتساهل فيها، وأما أعمال الدنيا فالأمر فيها واسع ما لا ينقضي اليوم ينقضي غدًا وهكذا.
قلت: الشطر الثاني من الحديث يدعو إلى قصر الأمل في هذه الدنيا وهذا تدعمه الأدلة الصحيحة منها، حديث ابن عمر ﵄ في البخاري (^١)، قال: أخذ رسول الله -ﷺ- بمكنبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.
قال العلامة ابن عثيمين (^٢) ﵀: قال النبي -ﷺ- لابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) سبحان الله أعطى الله نبيه جوامع الكلم هاتان الكلمتان، يمكن أن تكونا نبراسًا يسير الإنسان عليه في
_________________
(١) "البخاري مع الفتح" (١١/ ٢٣٧).
(٢) "شرح رياض الصالحين" (٢/ ٣١٨).
[ ١ / ١١٦ ]
حياته (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، والفرق بينهما أن عابر السبيل ماشٍ يمر بالقرية وهو ماش منها، وأما الغريب فهو مقيم فيها حتى يرتحل عنها يقيم فيها يومين أو ثلاثة أو عشرة أو شهرًا، وكل منهما لم يتخذ القرية التي هو فيها وطنًا وسكنًا وقرارًا، فيقول الرسول ﵊ كن في الدنيا كهذا الرجل، إما غريب أو عابر سبيل، فالغريب وعابر السبيل لا يستوطن، يريد أن يذهب إلى أهله وإلى بلده، لو أن الإنسان عامل نفسه في هذه الدنيا بهذه المعاملة لكان دائمًا مشمرًا للآخرة لا يريد إلا الآخرة، ولا يكون أمام عينيه إلا الآخرة حتى يسير إليها سيرًا يصل به إلى مطلوبه، وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، المعنى أنك لا تؤمل أنك إذا أصبحت أمسيت، وإذا أمسيت أصبحت، فكم من إنسان أمسى ولم يصبح، وكم من إنسان لبس ثوبه ولم يخلعه إلا الغاسل، وكم من إنسان خرج من أهله قد هيأوا له غداءه أو عشاءه ولم يأكله، وكم من إنسان نام ولم يقم من فراشه، المهم أن الإنسان لا ينبغي له أن يطيل الأمل، بل يكن حذرًا حاذقًا حازمًا كيسًا، هذا معنى قوله: (إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح …) إلخ.
[ ١ / ١١٧ ]