(ضعيف)
أخرجه أبو داود مع العون (٤١٠٦)، والترمذي (٢٩٤٠)، وأحمد في "المسند" (٢٦٥٣٧)، والطحاوي في"مشكل الآثار" (١/ ٢٦٥) رقم (٢٨٨) والبيهقي في "الكبرى" (٧/ ٩١)، والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٢٠) عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت أنا وميمونة عند النبي -ﷺ- إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال -ﷺ-: احتجبا منه فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله -ﷺ-: (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟).
قلت: هذا إسناد ضعيف علته: نبهان، وهو المخزومي أبو يحيى المدني مولى أم سلمة مجهول. كما قال ابن حزم ونقله عنه الذهبي في "المغني" (٢/ ٦٦٤) وأقره.
ولم يرو عنه سوى الزهري ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة.
وقال أحمد: نبهان روى حديثين عجيبين يعني هذا الحديث وحديث: (إذا كان لإحداكن مكاتب فلتحتجب منه).
وقال ابن عبد البر: نبهان مجهول لا يُعرف إلا برواية الزهري عنه.
[ ١ / ١١٨ ]
والحديث ضعَّفه جمع من أهل العلم، منهم:
(١) الإمام أحمد (^١) -﵀-.
(٢) القرطبي -﵀- في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (٦/ ٨٥) قال: هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل، لأن راويه عن أم سلمة نبهانُ مولاها، وهو ممن لا يحتج بحديثه.
(٣) العلامة الألباني -﵀- في "الضعيفة" (٥٩٥٨) و"الإرواء" (١٨٠٦) (^٢).
(٤) شيخنا الوادعي -﵀-.
(٥) العلامة ابن باز -﵀- في "التحفة الكريمة" (١٨).
(٦) العلامة ابن عثيمين﵀- في "شرح رياض الصالحين" (٤/ ٢٨٢).
(٧) الأرنؤوط في "تحقيق صحيح ابن حبان" (١٢/ ٣٨٧) رقم (٥٥٧٥)، و"تحقيق مشكل الآثار" (١/ ٢٦٥).
(٨) سليم الهلالي في "بهجة الناظرين" (٣/ ١٤٦).
(٩) العدوي في "أحكام النساء" (٥/ ٥٢٢).
_________________
(١) وانظر "الضعيفة" تحت هذا حديث (٥٩٥٨).
(٢) وانظر كذلك: "المشكاة" (٢/ ٩٣٤) رقم (٣١١٦) و"جلباب المرأة المسلمة" (ص: ١١) و"ضعيف سنن أبي داود" (٤١١٢) و"ضعيف سنن الترمذي" (٥٢٦) و"فقه السيرة" (ص: ٤٤) و"غاية المرام" (ص: ١١١) رقم (٢٠٣) و"التعليقات الحسان" (٨/ ١٤١) رقم (٥٥٤٨)، و"الرد المفحم" (١/ ٦٣).
[ ١ / ١١٩ ]
التعليق:
مسألة: حكم نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي.
الجواب: لا يخلو نظر المرأة إلى الرجل من حالين:
الحال الأولى: أن يكون نظر المرأة إلى ما بين السرة والركبة من الرجل، بمعنى أن المرأة تنظر إلى عورة الرجل، فهذا مما جاءت الشريعة بحسم مادته وبيان حكمه، فهذا النظر حرام بالاتفاق، سواء كان هذا النظر بشهوة أو بغير شهوة.
الحال الثانية: أن يكون نظر المرأة إلى ما فوق السرة وتحت الركبة من الرجل، وهذا النظر إما أن يكون بشهوة أو بغير شهوة. فإن كان هذا النظر بشهوة فهوحرام أيضًا قولًا واحدًا، وإن كان بلا شهوة فهو موطن السؤال.
وللجواب عليه يقال: إن من يجمع النصوص المتعلقة بنظر المرأة إلى الرجل من الكتاب والسنة يجدها متقابلة متعارضة فيما يظهر، ولهذا صار محصلة آراء العلماء قولين متقابلين.
القول الأول: إن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي محرم مطلقًا سواء كان النظر إليها بشهوة أو بغير شهوة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا.
[ ١ / ١٢٠ ]
قلت: وقد استدل المانعون بقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ﴿النور: ٣٠ - ٣١﴾. فالأمر بغض البصر هنا عام في كل نظر سواء كان بشهوة أو بغير شهوة.
القول الثاني: إن نظر المرأة للرجل جائز إذا كان بلا شهوة، واستدلوا على ذلك بأدلة أشهرها ما يلي:
• حديث فاطمة بنت قيس في أمر النبي -ﷺ- لها بالعدة في بيت ابن أم مكتوم بقوله: (اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك …) رواه مسلم. وهذا أمر صريح لها بالسكنى عند ابن أم مكتوم، فلو كان النظر إلى الرجل حرامًا لأمرها بغض بصرها عنه عقب أمره لها بالسكنى عنده، وهذه الحادثة في آخر حياة النبي -ﷺ- بعد فتح مكة بدليل سؤالها للنبي -ﷺ- بعد انقضاء عدتها، واستشارتها له في نكاح رجال خطبوها منهم معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية -﵁- من مسلمة الفتح.
• حديث عائشة ﵂ قالت: (لقد رأيت رسول الله -ﷺ- يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم) متفق عليه.
وهذا الإذن من النبي -ﷺ- لعائشة فيه دليل على أن النظر إلى الرجال بلا شهوة غير محرم.
[ ١ / ١٢١ ]
مناقشة القائلين بالتحريم والمنع:
ويمكن مناقشة أدلة القائلين بالمنع بأن قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عام والأحاديث التي تبيح النظر إلى الرجال خاصة، والعام إذا خص فلا يعمل به وإنما يعمل بالدليل المخصص فلا حجة في ذلك، ويبقى عمل الآية فيما بقي على عمومه مما أمر النساء بكف البصر عنه.
وقد قال ابن سعدي في معناها ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عن النظر إلى العورات والرجال بشهوة ونحو ذلك.
وأما حديث أم سلمة فيمكن الجواب عنه: أن الحديث لا يصح.
مناقشة القائلين بالجواز:
وجه إلى الدليل الأول، وهو حديث فاطمة بنت قيس، بأنها يمكن أن تساكنه وتغض بصرها عنه، ولا يخفى بعده.
وأما حديث عائشة فقالوا: إنها كانت تنظر إلى لعبهم ولا تنظر إليهم.
وقالوا أيضًا: إنها كانت وقتئذ صغيرة لم تبلغ، بدليل قولها: (فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن). وأجيب عليه بأن الروايات الأخرى تذكر أن ذلك بعد قدوم وفد الحبشة، ووفد الحبشة كان في السنة السابعة من الهجرة فيكون عمر عائشة حينئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغًا.
[ ١ / ١٢٢ ]
الترجيح:
والقول الراجح هو القول بالمنع مطلقًا، فقد أمر العلي العليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور الرجال والنساء بغض أبصارهم وحفظ فروجهم ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ ﴿النور: ٣٠ - ٣١﴾.
فدل على أن النساء كالرجال في تحريم النظر، ووجوب غض البصر. والمنع أيضًا من باب سد الذريعة، فالنظر يجر إلى مفاسد كثيرة، وهذا القول هو الذي عليه أكثر أهل العلم (^١). والله أعلم.
_________________
(١) "فتح الباري" (٢/ ٥١٦) رقم (٩٥٠) و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٢٨٣) و"مجموع الفتاوى" لابن تيمية (١٥/ ٣٩٢ - ٣٩٦) و"بهجة الناظرين" (٣/ ١٤٦) و"شرح رياض الصالحين" لشيخنا ابن عثيمين (٤/ ٢٨٢) و"التحفة الكريمة" للإمام ابن باز (١٨).
[ ١ / ١٢٣ ]