(موضوع)
أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٥٦) رقم (١٨٥٣)، وابن عدي في "الكامل" (٨/ ١٨٣) رقم (١٩١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٣٢) رقم (٨٠٦٧) عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خُلقت من فضلة طينة أبيكم آدم، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران، فأطعموا نساءكم الوالد الرطب، فإن لم يكن رطبًا فتمرًا).
والحديث في إسناده: مسرور بن سعيد التيمي.
وهو منكر الحديث كما قال ابن عدي في "الكامل"، وابن حبان في "المجروحين".
قلت: وقد حكم جمع من أهل العلم ببطلان هذا الحديث، منهم:
(١) ابن عدي في "الكامل" (٨/ ١٨٣) رقم (١٩١٠) قال: هذا حديث عن الأوزاعي منكر، وعروة بن رزيم عن علي ليس بالمتصل، ومسرور بن سعيد غير معروف، لم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث.
(٢) ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٤٤ - ٤٥).
[ ١ / ١٤٨ ]
(٣) ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٩٠) رقم (٣٨٥).
(٤) ابن كثير في "التفسير" (٣/ ١٦٠).
(٥) السخاوي في "المقاصد" (ص: ١٠٥) رقم (١٥٦).
(٦) السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٤٢).
(٧) ابن عراق الكناني في "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٠٩) رقم (٧٥).
(٨) العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ١٩٥) رقم (٥١١).
(٩) الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص: ٤٣٧) رقم (٦٠).
(١٠) الألباني في "الضعيفة" (١/ ٢٨٢، ٢٨٣) رقم (٢٦١، ٢٦٣) و"ضعيف الجامع" (١١٣٦).
وجاء الحديث عن ابن عمر بلفظ: (أحسنوا إلى عمتكم النخلة …) رواه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٠٠) رقم (٣٤٨).
وفي إسناده: جعفر بن أحمد بن علي الغافقي، وضَّاع.
قال ابن عدي: لا أشك أنه وضع هذا الحديث.
التعليق:
قلت: هناك ما يُغني عن هذا الحديث الذي لم يثبت عن النبي -ﷺ- في فضل النخلة، فقد ذكر الشيخ الفاضل الدكتور عبد الرزاق بن عبد
[ ١ / ١٤٩ ]
المحسن البدر -حفظه الله- في كتابه "الفوائد المنثورة" (^١) كلامًا نفسيًا تحت عنوان: (مماثلة المؤمن للنخلة).
قال-حفظه الله-: إن الشجرة الكريمة المباركة أعني -النخلة- التي هي أفضل الشجر وأطيبه وأحسنه، قد جعلها الله في كتابه الكريم مثلًا لعبده المؤمن يقول الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ ﴿إبراهيم: ٢٤ - ٢٥﴾.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم حدثوني ماهي؟).
فوقع الناس في شجر البوادي.
قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت.
ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: (هي النخلة) (^٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (مثل المؤمن مثل النخلة، ما أخذت منها من شيء نفعك) (^٣).
_________________
(١) (ص: ٤٦).
(٢) رواه البخاري (٦١) ومسلم (٢٨١١).
(٣) رواه الطبراني (١٣٥١٤) وصححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع" (٥٨٤٨).
[ ١ / ١٥٠ ]
وعن أنس بن مالك -﵁- قال: أتي رسول الله -ﷺ- بقناع عليه رطب، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ (٢٥)﴾ ﴿إبراهيم: ٢٤ - ٢٥﴾.
قال: (هي النخلة).
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ ﴿إبراهيم: ٢٦﴾. قال: (هي الحنظل).
قال: فأخبرت أبا العالية، فقال: صدق وأحسن (^١).
والنخلة إنما حازت هذه الفضيلة العظيمة بأن جعلت مثلًا لعبد الله المؤمن، لأنها أفضل الشجر، وأكثره عائدةً، ويكفيها فضيلة أنها خُصت من بين سائر الشجر بأن جعلت مثلًا للمؤمن، مما يدل على كريم فضلها ورفيع قدرها، وتنوع فضائلها كثبات أصلها وارتفاع فرعها، وإيتائها أكلها كل حين، ووصفها بالبركة وأنها لايؤخذ منها شيء إلا نفع، ونحو ذلك مما يدل على فضل النخلة وتميزها، وتشابهها مع المؤمن المطيع لله الذي قامت في قلبه كلمة الإيمان وانغرست في صدره، وأخذت تثمر الثمار اليانعة والخير المتنوع.
_________________
(١) رواه الترمذي (٣١١٩) مرفوعًا وموقوفًا. قال الألباني: ضعيف مرفوعًا، وصحيح موقوفًا. "ضعيف الترمذي" (٦٠٥).
[ ١ / ١٥١ ]
ومن يتأمل في النخلة والمؤمن المطيع لله، يجد بينهما أوجهًا من الشبه كثيرة منها:
أن النخلة لابد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر، وكذلك الإيمان لابد له من أصل وفروع وثمر، فأصله الإيمان بأصول الإيمان الستة المعروفة، وفروعه الأعمال الصالحة والطاعات المتنوعة والقربات العديدة، وثمراتها كل خير يحصله المؤمن، وكل سعادة في الدنيا والآخرة.
والنخلة لا تبقى إلا بمادة تسقيها وتنميها، فهى لاتحيا ولا تنمو إلا إذا سقيت بالماء، فإذا حُبس عنها الماء ذبلت، وإذا قطع عنها تمامًا ماتت، وهكذا الشأن في المؤمن لا يحيا الحياة الحقيقية ولا تستقيم له حياته، إلا بسقي من نوع خاص وهو سقي قلبه بالوحي كلام الله، وكلام رسوله -ﷺ- قال الله تعالى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ﴿الأنعام: ١٢٢﴾.
وبهذا يُعلم أن شجر الإيمان في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها في سقياها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، وإلا أوشكت أن تيبس.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) (^١).
_________________
(١) رواه الحاكم (١/ ٤) وحسنه الألباني في "الصحيحة" (١٥٨٥).
[ ١ / ١٥٢ ]
ومن أوجه الشبه بين المؤمن والنخلة أن النخلة شديدة الثبوت كما قال الله تعالى ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ وهكذا الشأن في الإيمان إذا رسخ في القلب، فإنه يصير في أشد ما يكون من الثبات لا يزعزعه شيء، بل يكون ثابتًا كثبوت الجبال الرواسي.
سُئل الأوزاعي -﵀- عن الإيمان أيزيد؟ قال: نعم حتى يكون مثل الجبال، قيل: أينقص؟ قال: نعم حتى لا يبقى منه شيء.
والنخل لا تنبت في كل أرض، بل لا تنبت إلا في أراضٍ طيبة التربة، فهي في بعض الأماكن لا تنبت مطلقًا، وفي بعضها تنبت لكن لا تثمر، وفي بعضها تثمر ولكن يكون الثمر ضعيفًا، فليست كل أرض تناسب النخلة، وهكذا الشأن في الإيمان فهو لا يثبت في كل قلب، وإنما يثبت في قلب من كتب الله له الهداية وشرح صدره للإيمان، والقلوب أوعية متفاوتة، وبعضها أوعى من بعض.
وقد وصفت النخلة في الآية بأنها شجرة طيبة، وهذا أعم من طيب المنظر والصورة والشكل ومن طيب الريح وطيب الثمر وطيب المنفعة، والمؤمن كذلك أجل صفاته الطيب في شؤونه كلها وأحواله جميعها، وفي ظاهره وباطنه وفي سره وعلنه.
ولهذا عندما يدخل المؤمنون الجنة تتلقاهم خزنتها قائلة لهم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ ﴿الزُّمر: ٧٣﴾.
[ ١ / ١٥٣ ]
وقال تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ ﴿النحل: ٣٢﴾.
والنخلة وصفت بأنها ما أخذت منها من شيء نفعك، كما في حديث ابن عمر المتقدم.
فكل شيء في النخلة ينفع، وهكذا الشأن بالنسبة للمؤمن مع إخوانه وجلسائه؛ لا يرى فيه إلا الأخلاق الكريمة، والآداب الرفيعة، والمعاملة الحسنة، والنصح لجلسائه وبذل الخير لهم. ولا يصل إليهم منه ما يضر بل لا يصل إليهم منه إلا ما ينفع.
ثم إن قلب النخلة وهو الجمار من أطيب القلوب وأحلاها إذ هو حلو الطعم لذيذ المذاق، وكذلك قلب المؤمن من أطيب القلوب وأحسنها، لا يحمل إلا الخير ولا يبطن سوى الاستقامة والصلاح والسلامة.
وثمرة النخلة من أنفع ثمار العالم وله حلاوة لا تدانيها حلاوة، وكذلك الإيمان له حلاوة ولذة لا يذوقها إلا صحيح الإيمان.
عن أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) (^١).
_________________
(١) رواه البخاري (١٦) ومسلم (٤٣).
[ ١ / ١٥٤ ]
ثم إن النخل بينه تفاوت عظيم في شكله ونوعه وثمره، فليست النخيل في مستوى واحد في الحسن والجودة بل بينه من التفاوت والتمايز الشيء الكثير، وهكذا الشأن بين المؤمنين، فالمؤمنون متفاوتون في الإيمان، وليسوا في الإيمان على درجة واحدة، بل بينهم من التفاوت والتفاضل الشيء الكثير، كما قال الله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ ﴿فاطر: ٣٢﴾.
والنخلة كلما طال عمرها ازداد خيرها وجاد ثمرها، وكذلك المؤمن إذا طال عمره ازداد خيره وحسن عمله.
عن عبد الله بن بسر -﵁- أن أعرابيًا قال: يا رسول الله من خير الناس؟ قال: (من طال عمره وحسن عمله) (^١).
فهذه بعض أوجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة، يحيا بتأملها قلب المؤمن، ويزيد إيمانه ويقوى يقينه، ويعظم شكره وحمده لربه قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ ﴿إبراهيم: ٢٤ - ٢٥﴾.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٣٢٩) وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (١٨٩٨).
[ ١ / ١٥٥ ]
بما تقدم يُعلم أن الإيمان شجرة مباركة، عظيمة النفع غزيرة الفائدة، كثيرة الثمر لها مكان خاص تغرس فيه، ولها سقي خاص، ولها أصل وفرع وثمار، أما مكانها فهو قلب المؤمن، فيه توضع بذورها وأصولها ومنه تتفرع أغصانها وفروعها، وأما سقيها فهو الوحي المبين: كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- فبه تسقى هذه الشجرة، ولا حياة لها ولا نماء إلا به، وأما أصلها فهو أصول الإيمان الستة، وأعلاها الإيمان بالله تعالى، فهو أصل أصول هذه الشجرة المباركة.
وأما فروعها فهي الأعمال الصالحة والطاعات المتنوعة، والقربات العديدة التي يقوم بها المؤمن.
وأما ثمرها فكل خير وسعادة ينالها المؤمن في الدنيا والآخرة فهو ثمرة من ثمار الإيمان ونتيجة من نتائجها.
وإنا لنسأل الله الكريم أن يعظم نماء هذه الشجرة الكريمة المباركة في قلوبنا وأن يجعلنا من عباده المؤمنين المتقين، وأن يصلح لنا شأننا كله، فإنه سبحانه خير مسؤول وأفضل مأمول. اهـ.
[ ١ / ١٥٦ ]