(ضعيف)
أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٦٥٢) رقم (٤٠٩٤)، وابن جرير في "التفسير" (١٠/ ٥١٤) رقم (٢٩٥٣٠) عن الصنابحي أنه قال: (حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان ﵄، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ابني إبراهيم ﵈ فقال: بعضهم الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم: بل إسحاق، فقال معاوية -﵁-: سقطتم على الخبير، كنا عند النبي -ﷺ- فأتاه أعرابي فقال: يارسول الله خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا، هلك المال، وضاع العيال، فعد عليَّ مما أفاء الله عليك (يا ابن الذبيحين)، قال: فتبسم النبي -ﷺ-، ولم ينكر عليه، فقلنا: يا أمير المؤمنين ومن الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما حفر زمزم نذر لله إن سهل له أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا: أرضِ ربك وافد ابنك قال: ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني).
قلت: وقد ضعَّف هذا الحديث جمع من أهل العلم، منهم:
(١) الحافظ ابن كثير في "التفسير" (٤/ ٢٥) قال: هذا حديث غريب جدًا.
(٢) الذهبي، كما نقل عنه شيخنا الوادعي في تعليقه على المستدرك.
[ ١ / ١٧١ ]
(٣) السيوطي في "الفتاوى" (٢/ ٣٥) قال: في إسناده من لا يُعرف حاله. وضعَّفه في "الدر المنثور" (٥/ ٢٨١).
(٤) العلامة الألباني في "الضعيفة" (١/ ٣٣٦) رقم (٣٣١) و(٤/ ١٧٢) رقم (١٦٧٧) قال: لا أصل له.
(٥) شيخنا الوادعي في تعليقه على "المستدرك" (٢/ ٦٥٢) رقم (٤٠٩٤).
(٦) العلامة ابن باز في "فتاوى نور على الدرب" قال: يُروى لكن لا أعرف صحته. وقال في فتوى أخرى: هذا ما روي عنه -ﷺ- وفي صحته نظر، لكنه مشهور.
قلت: والحديث ذكره السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٢) رقم (١٣)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٣٠) رقم (٦٠٦)، وابن الديبع في "التمييز" (ص: ٧).
التعليق:
قلت: هذا الحديث لم يثبت عن النبي -ﷺ-، لكن معناه صحيح، فهو -ﷺ- ابن الذبيحين ولا شك؛ والمراد بالذبيحين:
الأول: أبوه عبد الله بن عبد المطلب، وقصته معروفة مشهورة في كتب السير.
[ ١ / ١٧٢ ]
الذبيح الثاني: اختلف فيه العلماء هل هو إسحاق بن إبراهيم ﵉، أم إسماعيل بن إبراهيم ﵉؟
والصواب: أنه إسماعيل ﵊ خلافًا للجمهور.
قال ابن القيم (^١) -﵀-: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتبهم، فإن فيه: (إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره). وفي لفظ: (وحيده). ولايشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق. قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ أن يُقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشَّر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة:
_________________
(١) رواه أبو داود والحاكم؛ وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٤٦٧٨)، و"المشكاة" (١٩٩٣)، و"الإرواء" (٩٢٠).
[ ١ / ١٧٣ ]
إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ ﴿هود: ٧٠ - ٧١﴾.
فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهر الكلام وسياقه.
فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان (يعقوب) مجرورًا عطفًا على إسحاق، فكانت القراءة ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: ويعقوب من وراء إسحاق.
قيل: لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرًا به، لأن البشارة قول مخصوص، وهي أول خبر سار صادق.
وقوله تعالى ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية، ولما كانت البشارة قولًا كان موضع هذه الجملة نصبًا على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشَّرتُ فلانًا بقدوم أخيه وثَقَلِهِ في أثره لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعًا.
[ ١ / ١٧٤ ]
هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة ثم يُضعف الجرَّ أمر آخر، وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومِن بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يفصل بينه وبين المجرور كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور.
ويدل عليه أيضًا: أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات قال ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾ ﴿الصَّفات: ١٠٣ - ١١١﴾.
ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ ﴿الصَّفات: ١١٢﴾.
فهذه بشارة من الله تعالى له شكرًا على صبره على ما أُمِرَ به، وهذا ظاهر جدًا في أن المبشَّر به غير الأول بل هو كالنص فيه.
فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي لما صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر الله جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة.
قيل: البشارة وقعت على المجموع، على ذاته ووجوده وأن يكون نبيًا، ولهذا نصب (نبيًا) على الحال المقدر، أي: مقدرًا نبوته، فلا يمكن إخراج البشراة أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى
[ ١ / ١٧٥ ]
الفضيلة، هذا محال من الكلام، بل إذا وقعت البشراة على نبوته، فوقوعها على وجوده أولى وأحرى، وأيضًا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه في البيت الحرام الذي اشترك في بنائه إسماعيل وإبرهيم، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانًا ومكانًا، ولو كان الذبح في الشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم، لكانت القرابين والنحر في الشام لا بمكة.
وأيضًا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليمًا لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليمًا فقال تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى … أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ ﴿الذاريات: ٢٤ - ٢٨﴾.
وهذا إسحاق بلا ريب لأنه من امرأته وهي المبشَّرة به وأما إسماعيل فمن السُّرِّيَّةِ.
[ ١ / ١٧٦ ]
وأيضًا: فإنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك.
وأيضًا: فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، فإبراهيم ﵇ لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلًا والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة للمحبوب، وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل فأمره بذبح المحبوب فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد، خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، وقد حصل المقصود فنسخ الأمر، وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا وحصل مراد الرب.
ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بدفعه وهذا في غاية الظهور.
وأيضًا: أن سارة امرأة الخليل -ﷺ- غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة، فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها (هاجر) وابنها، ويسكنها في أرض
[ ١ / ١٧٧ ]
مكة لتبرد عن سارة حرارة الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها، ويدع ابن الجارية بحاله، هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية، بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السُّرِّيَّة، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتًا هذه وابنها منهم، وليُريَ عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، متعبدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمنَّ عليه بعد استضعافه وذله وانكساره.
قال تعالى ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ ﴿القصص: ٥﴾.
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. …
وبهذا القول أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (^١).
_________________
(١) "الفتاوى" (٤/ ٢٨٩ - ٢٩٢).
[ ١ / ١٧٨ ]