(لا أصل له) …
لقد اشتهر هذا الحديث على ألسِنة كثير من الأئمة عند تسويتهم للصفوف في الصلاة، وهو حديث لايصح ولا يثبت عن النبي -ﷺ-.
(١) قال العلامة ابن باز -﵀-: لا أصل له. كما نقل عنه الطيار في "لقاءاتي مع الشيخين ابن باز وابن عثيمين" اللقاء السادس.
(٢) قال شيخنا المحدث مقبل الوادعي -﵀- في "المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح" (ص: ١١ - ١٢): … بعض الائمة عند تسوية الصفوف يقول: (استووا فإن الله لاينظر إلى الصف الأعوج). وهذا لايثبت عن النبي -ﷺ-، ويكفي أن تقول: استووا؛ فإن النبي -ﷺ- يقول: (لتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين قلوبكم).
(٣) قال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -﵀- في كتابه العظيم "الشرح الممتع على زاد االمستقنع" (٣/ ١٤): وهاهنا حديث مشهور بين الناس وليس له أصل، وهو: (إن الله لاينظر إلى الصف الأعوج). وتكلَّم ﵀ بكلام عظيم عن مسألة تسوية الصف فانظره إن شئت.
[ ١ / ١٩٢ ]
(٤) قالت اللجنة الدائمة في "الفتاوى" (٣٢/ ٣٢٨) رقم الفتوى (١٦٧٤٤): هذا اللفظ في تسوية الصفوف: مشتهر على الألسنة، وهو لا أصل له عن النبي -ﷺ-، فلا يشرع أن يقال لتسوية الصفوف به، ويكتفى بما ثبت عن النبي -ﷺ- في ذلك، مثل قوله -ﷺ-: (استووا اعتدلوا) ونحوهما.
(٥) قال الشيخ مشهور في "أخطاء المصلين" (ص: ٢١٤): هذا الحديث لم يصح ولم يثبت عن رسول الله -ﷺ- بل لا أصل له.
التعليق:
قلت: كثير من أئمة المساجد يستدلون به عند خطابهم للمصلين بتسوية الصفوف (^١)، فالواجب على الإمام أن يتحرى الصحيح عن رسول الله -ﷺ-، وأن يبتعد عن الأحاديث الضعيفة والواهية، وهناك نصوص كثيرة في الأمر بتسوية الصفوف تغني عن هذا الحديث الذي لا أصل له.
وقد بوب العلامة الألباني -﵀- في "الصحيحة" (^٢): "باب وجوب إقامة الصفوف في صلاة الجماعة".
_________________
(١) للفائدة: انظر رسالة "تسوية الصفوف وأثرها في حياة الأمة" للعوايشة.
(٢) رقم (٣١) و(٣٢).
[ ١ / ١٩٣ ]
فعن أنس بن مالك -﵁- قال: (أقيمت الصلاة، وأقبل علينا رسول الله -ﷺ- بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري).
وعن النعمان بن بشير -﵁- قال: أقبل رسول الله -ﷺ- على الناس بوجهه فقال: (أقيموا صفوفكم -ثلاثًا -، والله لَتُقِيمُنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم).
قال -﵀-: ففي هذين الحديثين فوائد هامه:
الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها للأمر بذلك والأصل فيه الوجوب، إلا لقرينة كما هو مقرر في الأصول، والقرينة هنا تؤكد الوجوب وهو قوله -ﷺ-: (أو ليخالفن الله بين قلوبكم) فإن مثل هذا التهديد لا يُقال فيما ليس بواجب كما لا يخفى.
الثانية: أما التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب وحافة القدم بالقدم، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة ﵃ حين أمِروا بإقامة الصفوف والتراص فيها، ولهذا قال الحافظ في الفتح بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس، وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي -ﷺ-، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته.
[ ١ / ١٩٤ ]
ومن المؤسف أن هذه السُّنَّة من التسوية قد تهاون بها المسلمون بل أضاعوها إلا القليل منهم، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث فإني رأيتهم في مكة سنة (١٣٦٨ هـ) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى ﵊، بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة -لا أستثني منهم حتى الحنابلة- فقد صارت هذه السنة عندهم نسيًا منسيًا، بل إنهم تتابعوا على هجرها والإعراض عنها، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع، فإن زاد كره كما جاء مفصلًا في الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ٢٠٧)، والتقدير المذكور لا أصل له في السنة، وإنما هو مجرد رأي، ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة كما تقتضيه القواعد الأصولية.
وخلاصة القول: إنني أهيب بالمسلمين وخاصة أئمة المساجد الحريصين على اتباعه -ﷺ- واكتساب فضيلة إحياء سنته -ﷺ-، أن يعملوا بهذه السُّنَّة ويحرصوا عليها ويدعوا الناس إليها، حتى يجتمعوا عليها جميعًا وبذلك ينجون من تهديد (أو ليُخالفنَّ الله بين قلوبكم).
وأزيد في هذه الطبعة فأقول: لقد بلغني عن أحد الدعاة أنه يهوِّن من شأن هذه السُّنَّة العملية التي جرى عليها الصحابة، وأقرهم النبي -ﷺ- عليها، ويلمح إلى أنه لم يكن من تعليمه -ﷺ- إياهم ولم ينتبه والله أعلم
[ ١ / ١٩٥ ]
إلى أن ذلك فَهْم منه أولًا، وأنه -ﷺ- قد أقرهم عليه ثانيًا، وذلك كافٍ عند أهل السنة في إثبات شرعية ذلك لأن الشاهد يرى مالا يرى الغائب، وهم القوم لا يشقى متَّبع سبيلهم.
الثالثة: في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي -ﷺ-، وهي رؤيته -ﷺ- من ورائه ولكن ينبغي أن يُعلم أنها خاصة في حالة كونه -ﷺ- في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السُّنَّة أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضًا. والله أعلم.
الرابعة: في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس وإن كان صار معروفًا في علم النفس، وهو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن، والعكس بالعكس، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة لعلنا نتعرض لجمعها وتخريجها في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.
الخامسة: أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن: (قد قامت الصلاة) بدعة لمخالفتها للسُّنَّة الصحيحة، كما يدل على ذلك هذان الحديثان، لا سيما الأول منهما؛ فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجبًا ينبغي عليه القيام به، وهو أمر الناس بالتسوية مذكرًا لهم بها، فإنه مسؤول عنهم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته …) (^١).
_________________
(١) وانظر كذلك "نظم الفرائد" (١/ ٣٥٦ - ٣٥٨).
[ ١ / ١٩٦ ]