(ليس بحديث)
قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٣٩) رقم (٢٥) لا أعرفه، يُشبه أن يكون من كلام بعض السلف.
ونقل كلام السخاوي المتقدم:
ابن الديبع في "التمييز" (ص: ٩)، والقاري في "المصنوع" (ص: ٤٥) رقم (١)، والعامري في "الجد الحثيث" (ص: ٣٨) رقم (٦)، والصعدي في النوافح العطرة (ص: ١٩) رقم (٣٢)، والشوكاني في "الفوائد المجموعه" (ص: ٨١) رقم (٥٨).
التعليق:
قلت: قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" هذا الكلام ليس على إطلاقه، بل هو محمول على اللئام غير الكرام، ويشهد لذلك مافي "المجالسة" للدينوري عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه قال: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف.
وعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: ما وجدت لئيمًا إلا قليل المروءة.
وقد أحسن من قال:
[ ١ / ٣٢ ]
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته … وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقال أبو عمرو بن العلاء أحد الأئمة يخاطب بعض أصحابه: كن من الكريم على حذر إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا رحمته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك، أو تسأل من لايجيبك، أوتحدث من لاينصت لك.
وفي الإسرائيليات، يقول الله: من أساء إلى من أحسن إليه، فقد بدل نعمتي كفرًا، ومن أحسن إلى من أساء إليه، فقد أخلص لي شكرًا.
وعند البيهقي في "الشعب" عن محمد بن حاتم المظفري، قال: اتق شر من يصحبك لنائلة، فإنها إذا انقطعت عنه لم يعذر، ولم يبال ما قال وما قيل فيه.
وللدينوري في "المجالسة" من طريق ابن عائشة عن أبيه قال: قال بعض الحكماء: لا تضع معروفك عند فاحش، ولا أحمق، ولا لئيم، ولا فاجر، فإن الفاجر يرى ذلك ضعفًا، والأحمق لايعرف قدر ما أتيت، فارزق معروفك أهله تحصل به شكرًا.
وفي المرفوع ما يشهد للأخير. اهـ.
قلت: نعم وفي الوحي ما يشهد لذلك فالله تعالى خلق العباد ليعبدوه، ورزق الخليقة ليشكروه، فعبد الكثير غيره، وشكر الغالب سواه، فخير الله
[ ١ / ٣٣ ]
إلى العباد نازل، وشرهم إليه صاعد، لأن طبيعة الجحود، والنكران، والجفاء، وكفران النعم، غالبة على النفوس البشرية، إلا ما رحم ربي، قال تعالى … ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ ﴿سبأ: ١٣﴾.
وقال -ﷺ-: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) (^١).
فلا تُصدم يا أخي إذا وجدت هؤلاء قد كفروا جميلك، وجحدوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العداء، ورموك بمنجنيق الحقد الدفين، لا لشيء، إلا لأنك أحسنت إليهم ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿التوبة: ٧٤﴾.
فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وطالع سجل العالم المشهود، وقلب صفحات التاريخ، فإذا في فصوله قصة أبٍ ربَّى ابنه، وغذاه وكساه، وأطعمه، وسقاه، وأدبه، وعلمه، وسهر لينام، وجاع ليشبع، وتعب ليرتاح، فلما طرَّ شارب هذا الابن، وقوي ساعده، أصبح لوالده كالكلب العقور، استخفافًا، ازدراءً، مقتًا، عقوقًا صارخًا، عذابًا وبيلًا، اللهم سلِّم سلم، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، حقًا نحن في زمن العقوق، وجفاف المشاعر، ألا فليهدأ الذين احترقت أوراق جميلهم عند منكوسي الفطر، ومحطمي الإرادات، وليهنأوا بعِوض المثوبة عند من لا تنفد خزائنه.
_________________
(١) رواه أحمد، وأبو داود، وابن حبان، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٧٧١٩).
[ ١ / ٣٤ ]
إن هذا الخطاب الحار لا يدعوك لترك الجميل وعدم الإحسان للغير، وإنما يوطنك على انتظار الجحود، والتنكر لهذا الجميل والإحسان، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ﴿المجادلة: ٦﴾.
اعمل الخير لوجه الله تعالى، لأنك الفائز على كل حال، في الحال وفي المآل وليكن على بالك دائما قوله -ﷺ-: (خير الناس أنفعهم للناس) (^١).
ثم لا يضر غمط من غمطك، ولا جحود من جحدك، واحمد الله لأنك المحسن، وهو المسيء، واليد العليا خير من اليد السفلى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ … جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ ﴿الإنسان: ٩﴾.
وقد ذهل كثير من العقلاء عن جبلَّة الجحود عند الغوغاء، وكأنهم ما سمعوا الوحي الجليل، وهو ينعي على الصنف عتوه وتمرده ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ﴿يونس: ١٢﴾.
لا تفجأ إذا أهديت بليدًا قلمًا فكتب به هجاءك ظلمًا، أو منحت جافيًا عصًا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فشج بها رأسك، هذا هو الأصل عند كثير من هذه البشرية المحنطة في كفن الجحود مع باريها جلَّ في علاه، فكيف بها معي ومعك ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ﴿الأعراف: ١٧﴾.
_________________
(١) رواه القضاعي وغيره عن جابر -﵁-، وحسنه العلامة الألباني في "صحيح الجامع" (٣٢٨٩).
[ ١ / ٣٥ ]
ولله دَرُّ من قال:
أعلمه الرماية كل يوم … فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي … فلما قال قافية هجاني
[ ١ / ٣٦ ]