(لا يصح)
قلت: قال الحافظ العراقي -﵀-: رواه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ مختصرًا دون قوله: (فإن العرق دساس).
وروى أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من حديث أنس -﵁-: (تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس).
وروى أبو موسى المديني في كتابه "تضييع العمر والأيام في اصطناع المعروف إلى اللئام" من حديث ابن عمر -﵁-: (وانظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس) وكلاهما ضعيف.
"الإحياء وبذيله المغني" (٢/ ٥٩).
وذكر ابن الجوزي -﵀- ألفاظًا متقاربة لهذا الحديث في "العلل المتناهية" (٢/ ٦١٢ - ٦١٥) وقال: هذه الأحاديث لا تصح.
وقال المناوي -﵀- في "فيض القدير" (٢/ ٩٢): وأورده ابن الجوزي بلفظ: (أقل من الدَّين تعش حرًا، وأقل من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دساس) وقال: هذا حديث لا يصح.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وذكر السخاوي -﵀- في "المقاصد الحسنة" (ص: ١٨٦) ألفاظًا كثيرة لهذا الحديث وضعَّفها.
وضعَّف الحديث العلامة الألباني -﵀- في "الضعيفة" (٣٤٠١) بلفظ: (تزوجوا في الحجر الصالح فإن العرق دساس) بل قال: موضوع.
وسئل العلامة عبد العزيز بن باز -﵀- كما في "فتاوى نور على الدرب"، هل هذا حديث صحيح: (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس؟).
فأجاب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فالحديث المذكور نصَّ أهل العلم على أنه غير صحيح، فليس بمعتمد.
التعليق: …
قلت: وإن كان هذا الحديث ضعيفًا إلإ أن معناه صحيح فإن العرق دساس، فقد قال -ﷺ-: (تخيروا لنطفكم، فأنكحوا الأكفاء، وأنكحوا إليهم) (^١).
وعن أبي هريرة -﵁- أنه قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي -ﷺ- فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. فقال النبي -ﷺ-: (هل لك من إبل؟) قال: نعم. قال: (فما لونها؟) قال: حمر. قال: (فهل يكون فيها من
_________________
(١) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٠٦٧) و"صحيح الجامع" (٢٩٢٨).
[ ١ / ٢٣٥ ]
أورق؟) قال: إن فيها لورقًا. قال: (فأنى أتاها ذلك؟) قال: عسى أن يكون نزعة عرق. قال: (وهذا عسى أن يكون نزعة عرق) متفق عليه.
ومعنى هذا الحديث: أنه ولد لرجل من قبيلة فزارة غلام خالف لونه لون أبيه وأمه فصار في نفس أبيه شك منه، فذهب إلى النبي -ﷺ- مُعَرِّضًا بقذف زوجه، وأخبره بأنه ولد له غلام أسود، ففهم النبي -ﷺ- مراده من تعريضه، فأراد -ﷺ- أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلًا مما يُعرف ويُؤلف، فقال -ﷺ-: (هل لك إبل؟) قال: نعم. قال: (فما ألوانها؟) قال: حمر. قال: (فهل فيها من أورق؟) - الأسود الذي لم يخلص سواده وإنما فيه غبره- مخالف لألوانها؟ قال: إن فيها لورقًا فقال: (فمن أين أتاها ذلك اللون المخالف لألوانها؟)، قال الرجل: عسى أن يكون جذبه عرق وأصل من آبائه وأجداده، فقال: فابنك كذلك عسى أن يكون في آبائك وأجدادك من هو أسود فجذبه في لونه، فقنع الرجل بهذا القياس المستقيم، وزال ما في نفسه من الخواطر (^١).
قال المناوي (^٢) تحت قوله: (فإن العرق دساس) أي دخَّال-بالتشديد- لأنه ينزع في خفاء ولطف، يُقال دسست الشيء إذا أخفيته وأخملته، ومنه قوله تعالى ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ ﴿الشمس: ١٠﴾ أي: أخمل
_________________
(١) " تيسير العلام شرح عمدة الأحكام" (٢/ ٢٧٠).
(٢) "فيض القدير" (٣/ ٣١٧).
[ ١ / ٢٣٦ ]
نفسه وأبخس حضها، وقيل معنى: دساس، خفي قليل، وكل من أخفيته وقللته فقد دسسته، والمعنى أن الرجل إذا تزوج في منبت صالح يجيء الولد يشبه أهل الزوجة في العمل والأخلاق ونحوها وعكسه بعكسه.
[ ١ / ٢٣٧ ]