(لا أصل له)
لقد شاع هذا الحديث وذاع بين كثير من الجهلة وأهل الابتداع، وهو حديث باطل مكذوب موضوع لا أصل له.
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "الفتاوى الكبرى" (٢/ ٤٣٣) و"الصغرى" (١/ ٣١٩): وما يرويه بعض العامة من أنه قال: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) فهو حديث كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة في الدين. … وقال -﵀- في الرد على البكري (١/ ١٣٠، ٧٠): وما يرويه بعض العامة (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) كذب موضوع ومن الأحاديث المشينات التي ليس لها زمام ولا خطام. قال الإمام أحمد -﵀-: للناس أحاديث يتحدثون بها على أبواب دورهم ما سمعنا بشيء منها، وقد حرم الله علينا أن نقول عليه ما لم نعلم، والقول على رسول الله -ﷺ- قول عليه لأن ما قاله الرسول -ﷺ- من أمر فالله أمرنا به فلو كان قد قال لكنا مأمورين به ولا يجوز أن نقول إن الله أمرنا مالم نعلم أن الله أمر به، فكيف إذا لم يذكره عالم ولا عارف؟ فكيف إذا كان أهل
[ ١ / ٢٥٠ ]
المعرفة بالحديث يقطعون أنه كذب موضوع، والعلم بذلك علم مُسَلمٌ لأهله، لهم فيه طرق ومعارف يختصون بها. (^١)
(٢) قال الشوكاني -﵀- في "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد" (ص ٦٥) حديث: (توسلوا بجاهي): موضوع، لم يختلف في وضعه اثنان.
(٣) قال الألباني -﵀- في "الضعيفة" (٢٢): لا أصل له.
(٤) قال العلامة ابن باز -﵀- في "التحفة الكريمة" (ص: ٣٧) رقم (١٥): هذا حديث كذب.
التعليق:
قال العلامة الألباني (^٢) -﵀-: ومما لا شك فيه أن جاهه -ﷺ- ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى موسى بقوله ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ ﴿الأحزاب: ٦٩﴾ ومن المعلوم أن نبينا محمدًا -ﷺ- أفضل من موسى، فهو بلا شك أوجه منه عند ربه ﷾، لكن هذا شيء والتوسل بجاهه -ﷺ- شيء آخر، فلا يليق الخلط بينهما كما يفعل البعض، إذ أن التوسل بجاهه -ﷺ- يقصد به من يفعله أنه أرجى لقبول دعائه، وهذا أمرلا يمكن معرفته بالعقل إذ أنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراكها
_________________
(١) وانظر كذلك "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٣١٨)، و"التوسل والوسيلة" (ص: ٢٥٢).
(٢) في "الضعيفة" (١/ ٧٦ - ٩٩).
[ ١ / ٢٥١ ]
فلا بد فيه من النقل الصحيح الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة، فإن الأحاديث الواردة في التوسل به -ﷺ- تنقسم إلى قسمين: صحيح وضعيف، أما الصحيح فلا دليل فيه البتة على المدعي مثل توسلهم به -ﷺ- في الاستسقاء، وتوسل الأعمى به -ﷺ- فإنه توسل بدعائه -ﷺ- لا بجاهه ولا بذاته -ﷺ-، ولما كان التوسل بدعائه -ﷺ- بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن كان بالتالي التوسل به -ﷺ- بعد وفاته غير ممكن وغير جائز، ومما يدل على هذا أن الصحابة ﵃ لما استسقوا في زمن عمر -﵁- توسلوا بعمه -ﷺ- العباس، ولم يتوسلوا به -ﷺ- وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل المشروع وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه -ﷺ- ولذلك توسلوا بعده -ﷺ- بدعاء عمه لأنه ممكن ومشروع، كذلك لم ينقل أن أحدًا من العميان توسل بدعاء ذلك الأعمى، ذلك لأن السر ليس في قول الأعمى: (اللهم إني أسالك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمه …) وإنما السر الأكبرفي دعائه -ﷺ- له كما يقتضيه وعده -ﷺ- إياه بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه: (اللهم شفعه فيَّ) أي: أقبل شفاعته -ﷺ- أي دعاءه فيَّ (وشفعني فيه) أي أقبل شفاعتي أي دعائي في قبول دعائه -ﷺ- فيَّ فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء كما يتضح للقارئ الكريم بهذا الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذا أنكر الامام أبو حنيفة فقال: (أكره أن يسأل الله إلا بالله) كما في "الدر المختار" وغيره من كتب الحنفية.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وأما قول الكوثري في "مقالاته" (ص: ٣٨١) وتوسل الإمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل "تاريخ الخطيب" بسند صحيح. فمن مبالغاته بل مغالطاته فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال نبأنا علي بن ميمون قال سمعت الشافعي يقول: (إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائرًا - فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى)، فهذه رواية ضعيفة بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو عمرو -بفتح العين- ابن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي وقد ترجمه الخطيب (١٢/ ٢٢٦) وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجًا سنة (٣٤١ هـ) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا إذ أن وفاة شيخه علي بن ميمون سنة (٢٤٧ هـ) على أكثر الأقوال فبين وفاتيهما نحو مائة سنة ويبعد أن يكون قد أدركه، وعلى كل حال فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل.
وقد ذكر شيخ الإسلام في "إقتضاء الصراط المستقيم" معنى هذه الرواية ثم أثبت بطلانها فقال (ص: ١٦٥): هذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فالشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفًا، وقد رأى الشافعي في
[ ١ / ٢٥٣ ]
الحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده؟! ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف.
وأما القسم الثاني من أحاديث التوسل: فهي أحاديث ضعيفة تدل بظاهرها على التوسل المبتدع فيحسن في هذه المناسبة التحذير منها والتنبيه عليها فمنها: (الله الذي يحي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين).
وحديث: (من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرا … أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له ألف ملك).
وحديث: (لما اقترف آدم الخطيئة قال: يارب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يارب لما
[ ١ / ٢٥٤ ]
خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليَّ ادعني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك) فهذه الأحاديث لا يصح منها شيء.
قال شيخنا ابن عثيمين -﵀- في "مجموع فتاواه" (٢/ ٣٤٥): وعلى هذا نقول: التوسل بالرسول -ﷺ- ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يتوسل بالإيمان به واتباعه وهذا جائز في حياته وبعد مماته.
القسم الثاني: أن يتوسل بدعائه أي بأن يطلب من الرسول -ﷺ- أن يدعو له فهذا جائز في حياته لا بعد مماته لأنه بعد مماته متعذر.
القسم الثالث: أن يتوسل بجاهه ومنزلته عند الله فهذا لا يجوز لا في حياته ولا بعد مماته لأنه ليس وسيلة إذ أنه لا يوصل الإنسان إلى مقصوده لأنه ليس من عمله.
قلت: هذا كلام أهل العلم والإتقان والحجة والبرهان في كل زمان ومكان.
[ ١ / ٢٥٥ ]