(لا أصل له)
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "التوسل والوسيلة" (ص: ٥٥): وما يروى أن الخليل لما ألقي في المنجنيق قال له جبريل: سل. قال: (حسبي من سؤالي علمه بحالي) ليس له إسناد معروف وهو باطل. وانظر "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٣٩).
(٢) أشار البغوي -﵀- في "تفسيره" (٥/ ٣٢٧) سورة الأنبياء إلى ضعفه حيث قال: روي عن كعب الأحبار أن إبراهيم ﵇ … لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل فقال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل: فسل ربك فقال إبراهيم: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).
(٣) قال ابن عراق في "تنزيه الشريعة المرفوعة" (١/ ٢٥٠): قال ابن تيمية: موضوع.
(٤) قال الألباني في "الضعيفة" (٢١) حديث: لا أصل له، أورده بعضهم من قول إبراهيم الخليل ﵇ وهو من الإسرائيليات ولا أصل له في المرفوع.
[ ١ / ٣٠٣ ]
(٥) قال شيخنا ربيع المدخلي -حفظه الله- في تحقيق "التوسل والوسيلة" (ص: ٥٥): الأمر كما قال شيخ الإسلام ليس له إسناد معروف وهو باطل.
(٦) قال الشيخ بكر أبو زيد في "معجم المناهي اللفظية" (ص: ٣٩٨) بعد إيراده لكلام من تقدم في تضعيفه: وعليه فإذا مررت به في "الورد المصطفى المختار" فاشطب عليه.
والحديث ذكره العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٢٧) رقم (١١٣٦)، والمناوي في "فيض القدير" (٢/ ٣٧٠) و(٥/ ٣٨١).
التعليق:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) -﵀-: ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصًا، وهو مع ذلك يسأل الناس ويكديهم، وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات وهو طريق أنبياء الله، وقد أمر العباد بسؤاله سبحانه فقال ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ﴿النساء: ٣٢﴾.
ومدح الذين يدعون ربهم رغبة ورهبة، ومن الدعاء ما هو فرض على كل مسلم، كالدعاء المذكور في فاتحة الكتاب، ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ألقي في النار قال له جبريل: (هل لك من حاجة؟) فقال: أما إليك فلا، قال: (سل)، قال: (حسبي من سؤالي علمه بحالي).
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٣٨ - ٥٣٩).
[ ١ / ٣٠٤ ]
وأول هذا الحديث معروف، وهو قوله أما إليك فلا، وقد ثبت في "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ في قوله: (حسبنا الله ونعم الوكيل) أنه قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد -ﷺ- حين قال له الناس ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ﴿آل عمران: ١٧٣﴾.
وأما قوله: (حسبي من سؤالي علمه بحالي) فكلامٌ باطل خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له من صلاح الدنيا والآخره، كقولهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ ﴿البقرة: ٢٠١﴾.
ودعاء الله وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها، فكيف يكون مجرد العلم مسقطًا لما خلقه وأمر به؟ والله أعلم وصلى الله على محمد وسلم (^١). اهـ.
وقال العلامة الألباني (^٢) -﵀-: وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنَّف في الحكمة على طريق الصوفية فقال: (وسؤالك منه) يعني الله تعالى (اتهام له). وهذه ضلالة كبرى! فهل كان الأنبياء صلوات الله
_________________
(١) وانظر كذلك "التوسل والوسيله" (ص: ٥٥ - ٥٦).
(٢) "الضعيفة" (١/ ٧٥).
[ ١ / ٣٠٥ ]
عليهم مُتَّهِمِين لربهم حين سألوه مختلف الأسئلة؟ فهذا إبراهيم ﵇ يقول ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ ﴿إبراهيم: ٣٧﴾ إلى آخر الأيات وكلها أدعية، وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تحصى، والقائل المشار إليه قد غفل عن كون الدعاء الذي هو تضرع والتجاء الى الله تعالى عبادة عظيمة بغض النظر عن ما هية الحاجة المسؤولة، ولهذا قال -ﷺ-: (الدعاء هو العبادة)، ثم تلا قوله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ ﴿غافر: ٦٠﴾ ذلك لأن الدعاء يظهر عبودية العبد لربه وحاجته إليه ومسكنته بين يديه، فمن رغب عن دعائه، فكأنه رغب عن عبادته ﷾، فلا جرم جاءت الأحاديث متضافرة في الأمر به، والحض عليه حتى قال -ﷺ-: (من لا يدع الله يغضب عليه) (^١).
قلت: وهو حديث حسن.
وقال -ﷺ-: (سلوا الله كل شيء حتى الشسع، فإن الله ﷿ إن لم ييسره لم يتيسر) (^٢).
وبالجملة فهذا الكلام المعزو لإبراهيم ﵊ لا يصدر من مسلم يعرف منزلة الدعاء في الإسلام فكيف يقوله من سمانا المسلمين؟!
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٩١) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه ابن السني (٣٤٩) بسند حسن، وله شاهد من حديث أنس -﵁- عند الترمذي (٤/ ٢٩٢) وغيره.
[ ١ / ٣٠٦ ]