(ليس بحديث)
قال العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٤٦١) رقم (١٢٢٩): ليس بحديث؛ وقال القاري: لا يصح مبناه.
وانظر "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٤٢) رقم (٤٤٨) و"التمييز" (ص: ٧٥) و"الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث" (ص: ٩٤) رقم (١٤٩).
التعليق:
هذا القول وإن لم يثبت حديثًا إلا أن معناه صحيح، وقد رغب الإسلام في المسابقة في فعل الخيرات والمسارعة إليها قال تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿آل عمران: ١٣٣﴾.
وقال الله تعالى ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿الحديد: ٢١﴾.
وقوله تعالى ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ ﴿الأنبياء: ٩٠﴾.
وقوله تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ﴿الواقعة: ١٠ - ١١﴾.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ ﴿المطَّففين: ٢٦﴾.
وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ﴿الجمعة: ٩﴾.
ولقد أسرع موسى للقاء ربه وقال ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ ﴿طه: ٨٤﴾.
أما نصوص السنة فكثيرة أيضًا منها قوله -ﷺ-: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم …) (^١).
وقوله -ﷺ-: (اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك …) (^٢).
وقوله -ﷺ-: (… واحرص على ما ينفعك واستعن بالله …) (^٣).
ولقد تعلَّم أصحاب النبي -ﷺ- هذه الدروس من رسول الله -ﷺ- فكانوا يتنافسون فيما بينهم في مرضات الله تعالى فحين طلب رسول الله -ﷺ- من الصحابة أن يتصدقوا، قال عمر -﵁-: فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله -ﷺ-: (ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله؛ وأتى أبو بكر بكل ماعنده، فقال -ﷺ-: يا
_________________
(١) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة -﵁-.
(٢) رواه الحاكم والبيهقي في "الشعب" عن ابن عباس ﵄ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (١٠٧٧).
(٣) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٣٣١ ]
أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا) (^١).
أما المسابقة إلى الدنيا فلم يرغب الإسلام فيها، فالله يقول في الآخرة … ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ﴿الجمعة: ٩﴾.
وقال في أمر الدنيا في آخر الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ﴿الملك: ١٥﴾.
ويقول -ﷺ-: (التؤدة خير في كل شيء إلا في عمل الآخرة) (^٢).
قال المناوي (^٣) في "فيض القدير": أي مستحسن ومحمود إلا في عمل الآخره فإن التؤدة غير محمودة.
وقال الطيبي: معناه أن أمور الدنيا لا يعلم أنها محمودة العواقب حتى يتعجل فيها، ومذمومة حتى يتأخر عنها، بخلاف الأمور الأخروية.
وكان الحسن﵀يقول في موعظته: المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم الأعمال التي تتقربون بها إلى الله عز وجل، رحم الله امرأ نظر لنفسه وبكى على ذنبه، ثم قرأ هذه الآية ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ ﴿مريم: ٨٤﴾ يعني الأنفاس، آخر العدد خروج نفسك وفراق أهلك.
_________________
(١) رواه الترمذي وغيره عن عمر -﵁- وهو حديث حسن. وانظر "صحيح الترمذي" رقم (٢٩٠٢) و"صحيح أبي داود" (١٦٧٨).
(٢) رواه أبوداود والحاكم والبيهقي في "الشعب" وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٠٠٩)
(٣) "فيض القدير" (٣/ ٣٦٥).
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقال بعض الصلحاء: اغتنم تنفس الأجل، وإمكان العمل، واقتطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك في أجل محدود، ونفس معدود، وعمر غير ممدود.
وقال غيره: أعمل عمل المرتحل فإن حادي الموت يحدوك، ليوم ليس يعدوك، فيطرحك في حفرة لا يخافك فيها أحد ولا يرجوك.
وكتب رجل إلى بعض إخوانه: أما بعد فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط بينهما، ونحن في أضغاث أحلام والسلام.
وكتب محمد بن يوسف -﵀- إلى أخ له: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني محذرك من دار منقلبك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك، فتصير في باطن الأرض بعد ظهرها، فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك وينتهرانك، فإن يكن الله معك فلا فاقه، ولا بأس ولا وحشة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك يا أخي من سوء مصرع وضيق مضجع، ثم تبلغك صيحة النشور، ونفخة الصور، وقيام الخلائق لفصل القضاء، وامتلأت الأرض بأهلها، والسموات بسكانها، فباحث الأسرار، وسعرت النار، ووضعت الموازين، ونشرت الدواوين، وجيء بالنبيين، والشهداء وقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين.
فكم من مفتضح ومستور، ومعذب ومرحوم، وكم من هالك وناج، فيا ليت شعري ما حالي وحالك يومئذ، فإن في هذا ما هدم اللذات، وسلى عن الشهوات، وقصر من الأمل، وأيقظ النائم، ونبه الغافل، أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا من قلبك وقلبي موقعها من قلوب المتقين، فإنما نحن له وبه والسلام.
[ ١ / ٣٣٣ ]