(ليس بحديث)
لقد اشتهر هذا الكلام على ألسنة كثير من الناس على أنه حديث عن رسول الله -ﷺ- وليس كذلك إنما هو من كلام الناس.
(١) قال العلامة الألباني -﵀- في "الضعيفة" (٥/ ١١): … ويقرأ - أي خطيب المسجد - لهم من ورقتين أحاديث كتبها، أو كُتبت له، وأكثرها ضعيف لا يصح، وكان يعلق على بعضها من ذاكرته، ويرفع بذلك صوته، فذكر جملة متداولة اليوم؛ وهي: (الدين المعاملة) فكذب على النبي -ﷺ-، ونسبها إليه أكثر من مرة، بل زاد الطين بلة وزعم أنها من مفاخر الإسلام، وأن النبي -ﷺ- حصر الإسلام في كلمتين فقط (الدين المعاملة) ولعله اشتبه عليه بقول النبي -ﷺ-: (الدين النصيحة) ولا أصل لذلك، ولا في الأحاديث الموضوعة. والله المستعان.
(٢) وسئل العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- عن هذه المقولة: (الدين المعاملة) هل هي حديث؟ فقال: هي من كلام الناس. (سمعته من بعض أشرطة الشيخ -﵀-).
(٣) وذكره السدحان في كتابه "تحت المجهر" (ص: ٢١٦) و"الخطب المنبرية" (٣/ ١٤١).
[ ١ / ٣٤٥ ]
التعليق:
قلت: الدين المعاملة، الصحيح أنه ليس بحديث وإنما هو من كلام الناس، والإسلام قد أمر أهله بالمعاملة الحسنة مع جميع الخلق، والمعاملات الإنسانية كثيرة ومتنوعة، بل متنامية ومتطورة، وهي متشعبة الاتجاهات، ولذلك لا تخلو يوميات الأفراد في المجتمع من التعامل المتبادل مع الآخرين، وهذه هي سنة الحياة وطبيعة الدنيا، غير أن هذه الحياة يتعكر صفوها ولا يمضي أهلها في تحقيق أهدافهم عند ما تغيب أو تضعف الروح الإنسانية والأخلاق السامية، والأذواق الرفيعة في المعاملات المتبادلة بين بني آدم، حيث يسود الغلو والعلو والغلظة والشدة والجفاء والنفور بدل المعاملة السمحة التي رفع من شأنها الإسلام وجعلها من علامات الإيمان، ومن دعائم الحياة الكريمة في المجتمع المسلم، من تحلى بها فقد نال حظًا وافرًا من الإيمان والتدين الصحيح، يقول -ﷺ-: (أفضل الإيمان الصبر والسماحة) (^١).
وإذا كان للتدين أشكال وصور تتجلى في سلوكيات الناس، فإن السماحة في المعاملة أعظم صورة يجب أن يكون عليها المسلم الغيور على دينه فقد سئل النبي -ﷺ-: (أي الأديان أحب إلى الله ﷿؟ قال: الحنيفية السمحة) (^٢).
_________________
(١) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" عن معقل بن يسار -﵁- والبخاري في التاريخ عن عمير الليثي -﵁-، وجاء عن غيرهم وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٤٩٥) و"صحيح الجامع" (١٠٩٧).
(٢) رواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس وحسنة العلامة الألباني في "صحيح الجامع" (١٠٩٠).
[ ١ / ٣٤٦ ]
ومن العوج الذي أصاب تديننا، أننا لا نرى التدين مهمًا في معاملة بعضنا بعضًا، ونكتفي بأشكال وأعمال نحاكم عليها الناس، ونقيمهم ونزنهم بها، وإن لم ينتقل تديننا إلى معاملاتنا في أسواقنا ووسائل نقلنا ومقاعد دراستنا ومجالس مساجدنا وإدارتنا، فإن الدين المعاملة يبقى في واد ونحن في وادٍ آخر لا يلتقيان إلا تظاهرًا ورياءً ونفاقًا اجتماعيًا لا يرضاه لنا الله ولا رسوله -ﷺ- إلا من رحم الله-، وهو الذي دعا بالرحمة والنعمة للعبد السمح السهل، عندما ضرب مثلًا للمعاملة الحسنة في أربعة أشياء فقال: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى).
وفي رواية: (وإذا قضى) رواه البخاري وابن ماجه عن جابر -﵁-.
فهذه مواضع أربعة ذكرها الرسول -ﷺ- في سياق واحد.
ونصوص القرآن والسنة كثيرة في الحث على السماحة في المعاملات مع الإنسان مسلمًا كان أو غير مسلم، حيًا أو ميتًا، بل وحتى مع عالم الحيوان والنبات والجماد.
وقد بنى الإسلام المعاملة الحسنة على أسس وقيم نفيسة تدور حول خُلُقي الرحمة واللين، إذا لم يوطن الأفراد أنفسهم على التحلي بها بالمجاهدة والممارسة والمحاولة، لن يرى المجتمع مظاهر المعاملة الطيبة بين أفراده، ولن تسود فيه معاني الطمأنينة والسلامة والراحة التي تمتد إلى يوم القيامة كجزاء للراحمين والراحمات يقول -ﷺ-: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة
[ ١ / ٣٤٧ ]
بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها وأخَّر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة -﵁-.
وفي وصف الرسول -ﷺ- للمؤمنين بالسماحة درس للمسلمين المتدينين الذين يصرون على تقديم صورة مشوهة للدين من خلال معاملاتهم التي تخالف الدين الحكيم والشرع القويم، والمعاملة الحسنة التي تحلى بها أسلافنا فدخل الناس في دين الله أفواجًا بمعاملتهم الحسنة قال -ﷺ-: (المؤمنون هيِّنون ليِّنون، كالجمل الأنف، إن قِيدَ انقاد، وإذ أنيخ على صخرة استناخ) (^١).
وقال -ﷺ-: (المؤمن يألف، ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) (^٢).
وقال -ﷺ-: (خير الناس أنفعهم للناس) (^٣).
لقد آن لنا أن نذم نظريًا وعمليًا سلوكيات التنافر، والتباغض، والغش، والتدليس، والخداع، والغلظة، والتعسف، وأن نشيع نظريًا وعمليًا معاملات طيب النفس، وانشراح الصدر، ولين الجانب، وطلاقة الوجه، وسهولة التعامل، والتيسير والتواضع والصدق.
_________________
(١) رواه البيهقي عن ابن عمر ﵄ وحسنه الألباني في "الصحيحة" (٩٣٦) و"صحيح الجامع" (٦٦٦٩).
(٢) رواه الدارقطني عن جابر -﵁- وحسنه الألباني -﵀- في "صحيح الجامع" (٦٦٦٢).
(٣) رواه القضاعي وغيره عن جابر -﵁- وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٢٨٩).
[ ١ / ٣٤٨ ]
ولو لم يكن من فضلٍ للسماحة بالنسبة للمؤمن بالله واليوم الآخر إلا النجاة من النار التي وقودها الناس والحجارة، وفضلًا عن المصالح الدينية والدنيوية للسماحة لكفته لقول الرسول -ﷺ-: (من كان سهلًا هينًا لينًا حرمه الله على النار) (^١).
وقال -ﷺ-: (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدًا على كل لين قريب سهل) (^٢).
فمن كان يؤمن بالمصلحة الدنيوية فقط ففي السماحة والمعاملة الحسنة تحقيق لأهدافه كما يشهد الواقع الاجتماعي، ومن كان يؤمن بالمصلحة الدينية فقط ففي السماحة والمعاملة الحسنة تحقيق لأهدافه بشهادة الرسول الكريم -ﷺ- ومن كان يؤمن بخيري الدنيا والآخرة فعليه بالسماحة والمعاملة الحسنة ففيها تحقيق المسلم الإنسان الذي اتخذ من قوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ﴿البقرة: ٣٠﴾. وقوله تعالى ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ ﴿البقرة: ٢٠١﴾ شعارًا له في الحياة.
_________________
(١) رواه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة -﵁- وصححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع" (٦٤٨٤).
(٢) رواه أبو يعلى عن جابر -﵁- والترمذي والطبراني عن ابن مسعود -﵁- وابن حبان والإمام أحمد وصححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع" (٢٦٠٩) و"الصحيحة" (٩٣٨).
[ ١ / ٣٤٩ ]