(ليس بحديث)
هذا الكلام شائع على ألسِنة كثير من الناس على أنه حديث نبوي، والصحيح أنه ليس بحديث لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، ولم أجده في كتب السنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام؛ لا في الأمهات الست، ولا في المسانيد ولا المعاجم والأجزاء، بل لم أجده حتى في الكتب التي اعتنت بجمع الأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس "كاللآلئ المصنوعة"، و"المقاصد الحسنة"، و"الدرر المنتثرة"، و"كشف الخفاء" وغيرها من الكتب التي تكلمت في هذا الموضوع، بل حتى لم أعثر عليه في المؤلفات التي جمع أصحابها ومصنفوها الأحاديث الموضوعة ليحذِّروا الناس منها ومن الاعتقاد بها، وبأنها من أحاديث رسول الله -ﷺ- وهي ليست كذلك، "كالموضوعات" لابن الجوزي و"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" لابن عراق، و"تذكرة الموضوعات" لابن طاهر الهندي و"الفوائد المجموعة" للشوكاني وغيرهم ممن ألَّف في الموضوعات مرتبًا على الأبواب أو حروف المعجم كالسمهودي والقاري والأزهري وغيرهم، ولم أعثر عليه في كتب علمائنا المعاصرين ككتب العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ أوكتب شيخنا العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي ﵀ هذا والله وحده أعلم.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وقد سئل شيخنا ابن عثيمين -﵀- في "فتاوى نور على الدرب" عن صحة هذا الحديث (رحم الله امرأً عرف قدر نفسه) هل له أصل وهل هو وارد في الأحاديث؟
فأجاب -﵀-: لا أعلم له أصلا لكن معناه صحيح.
التعليق:
تبين لك أخي القارئ الكريم: أن هذا الحديث لا يثبت عن النبي -ﷺ-، ولكن يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه بلغه أن ابنه اشترى خاتمًا بألف درهم فكتب إليه: إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم، فبعه وأطعم منه ألف جائع، واشتر خاتما من حديد بدرهم، واكتب عليه (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه) (^١).
قلت: وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تُهان، وجنَّبها مواطن الذل والهوان، وذلك بأن لا يحمِّلها ما لا تطيق، أو يضعها فيما لا يليق.
قال شيخنا ابن عثيمين -﵀-: إذا عرف الإنسان قدر نفسه خضع لربه، وقام بعبادته، وعرف أنه لا غنى له عن ربه طرفة عين، وإذا عرف نفسه عرف قدره بين الناس، فتحمله هذه المعرفة على أن لا يتكبر
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" (١٠/ ٨١).
[ ١ / ٣٦٧ ]
عليهم، ولا يحتقرهم، لأن الكبرياء من كبائر الذنوب، وغمط الناس من الأمور المحرمة، ولهذا لما حذر النبي -ﷺ- من الكبر، قالوا يا رسول الله كلنا يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، فقال -ﷺ-: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) (^١) فبطر الحق يعني رده وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم، فإذا عرف الإنسان قدر نفسه عرف منزلته بين الناس، ونزل نفسه منزلتها فتواضع لخلق الله ﷿، ومن تواضع لله رفعه الله.
_________________
(١) رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود -﵁-.
[ ١ / ٣٦٨ ]